أعاد إعلان هيئة التراث السعودية عن انتهاء الموسم الأول من أعمال المسح والتوثيق في موقع ميقات الجحفة الأثري تسليط الضوء على واحد من أهم المواقع المرتبطة بتاريخ الحج والعمرة، ليس بوصفه ميقاتًا مكانيًا فقط، بل باعتباره محطة تاريخية كبرى على طرق الحجاج القادمين إلى مكة المكرمة عبر قرون طويلة.
وكشفت الهيئة، بالتعاون مع جامعة إكستر البريطانية، عن العثور على أكثر من 1700 قطعة أثرية في الموقع الواقع على طريق الحج المصري، في اكتشاف يعزز المكانة الحضارية للجحفة بوصفها نقطة عبور وخدمة للحجاج والمسافرين، وواحدة من الشواهد الباقية على عمق التنظيم التاريخي لرحلات الحج في الجزيرة العربية.
وشملت المكتشفات قطعًا فخارية وزجاجية وحجرية، إلى جانب أصداف ومشغولات متنوعة، تعكس جوانب من الحياة اليومية لمن مرّوا بالموقع أو أقاموا فيه. كما عثرت فرق المسح على 6 أفران فخارية، وقناة مائية يُرجح أنها كانت مخصصة لخدمة الحجاج والمسافرين، بما يكشف عن وجود بنية خدمية متقدمة نسبيًا في الموقع، لم تكن تقتصر على العبور المؤقت، بل امتدت إلى الإقامة والتزود بالماء والطعام والاحتياجات الأساسية.
وتكتسب الجحفة أهميتها الدينية من كونها أحد المواقيت المكانية التي وقّتها النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقاصدي المسجد الحرام بنية الحج أو العمرة، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب ومن جاء على طريقهم إذا لم يمروا بالمدينة المنورة. ويقع الميقات شمال غربي مكة المكرمة بالقرب من محافظة رابغ، وكانت الجحفة قديمًا محطة معروفة على الطريق بين المدينة المنورة ومكة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الجحفة كانت تُعرف قبل ذلك باسم «مَهْيَعَة»، ثم سُميت بالجحفة لأن سيلًا اجتاحها في أحد الأزمنة، فغلب عليها هذا الاسم. ورغم اندثار أجزاء من معالمها القديمة، بقيت الجحفة حاضرة في كتب السيرة والفقه والجغرافيا، بوصفها حدًا شرعيًا للإحرام ومحطة من محطات الطريق إلى الحرم.
وتكشف نتائج المسح الأثري أن الموقع لم يكن مجرد نقطة دينية مرتبطة بالإحرام، بل كان تجمعًا عمرانيًا وخدميًا له وظائف متعددة. فقد سبق أن أظهرت الدراسات وجود آثار لمدينة إسلامية واسعة المساحة، تضم مباني من حجر البازلت الأسود، وجدرانًا ضخمة مغطاة بالطين والجص، إضافة إلى عناصر معمارية دفاعية مثل الأسوار والحصون، وهي مؤشرات على أهمية الموقع وحاجته إلى الحماية والاستقرار بسبب موقعه على طريق الحج.
ومن أبرز ما كشفته أعمال المسح الحديثة العثور على 13 شاهد قبر، يعود بعضها إلى العصرين الأموي والعباسي، وهو ما يمنح الموقع قيمة تاريخية إضافية؛ إذ لا يوثق فقط حركة الحجاج والمسافرين، بل يكشف أيضًا عن طبقات زمنية متعاقبة من الاستقرار والمرور والدفن في هذه المنطقة.
كما أظهرت الدراسات الأولية أن بعض المعثورات جاءت من مناطق مختلفة، من بينها بلاد الشام ومصر والحبشة، وهو ما يعكس اتساع شبكة الحركة التي ارتبطت بالجحفة، ويؤكد أنها كانت محطة جامعة لحجاج وقوافل من مناطق متعددة في العالم الإسلامي، خاصة القادمين عبر طريق الحج المصري أو المتصلين به.
وتبرز أهمية هذا الاكتشاف في أنه يضيف بعدًا ماديًا ملموسًا إلى الروايات التاريخية عن طرق الحج القديمة. فالأفران الفخارية والقنوات المائية والقطع اليومية لا تعكس حياة عابرة فحسب، بل ترسم صورة لموقع كان يؤدي دورًا خدميًا واقتصاديًا واجتماعيًا إلى جانب وظيفته الدينية.
ويرتبط ميقات الجحفة اليوم في الوعي العام غالبًا بمنطقة رابغ، حيث يحرم كثير من الحجاج والمعتمرين من رابغ احتياطًا وقربًا من الميقات التاريخي، خاصة بعد اندثار أجزاء من معالم الجحفة القديمة. لكن الاكتشافات الأثرية الجديدة تعيد الموقع الأصلي إلى الواجهة، وتفتح الباب أمام مزيد من الدراسات لفهم تطور المكان عبر العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة.
ويأتي هذا الكشف ضمن جهود السعودية في توثيق وحماية مواقعها التراثية المرتبطة بتاريخ الإسلام والحج، بما ينسجم مع الاهتمام المتزايد بإبراز البعد الحضاري للمملكة، لا سيما في المواقع التي تجمع بين القيمة الدينية والتاريخية والأثرية.
وبين كونه ميقاتًا شرعيًا لأهل الشام ومصر والمغرب، ومحطة على طريق الحج المصري، وموقعًا أثريًا يضم شواهد عمرانية ومائية وجنائزية، يثبت ميقات الجحفة أنه ليس مجرد نقطة بداية للإحرام، بل ذاكرة مفتوحة لحركة المسلمين نحو مكة عبر قرون طويلة.
وتمنح الاكتشافات الأخيرة هذا الموقع حضورًا جديدًا في خريطة التراث السعودي، وتؤكد أن طرق الحج القديمة لا تزال تحمل تحت رمالها وحجارتها قصصًا عن الإيمان والسفر والتجارة والعمران، وعن أجيال عبرت المكان في طريقها إلى البيت الحرام.

