وجد رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب نفسه عالقًا في المكسيك بعد حضوره المباراة الافتتاحية لبطولة كأس العالم 2026، حيث أكد أنه تعذر عليه السفر إلى الولايات المتحدة رفقة الوفود الرياضية بسبب امتناع السلطات الأمريكية عن منحه تأشيرة الدخول المخصصة للمعتمدين في البطولة.
ونقلت صحيفة «جارديان» البريطانية عن الرجوب استياءه من هذا الإجراء، واصفًا حرمان المعتمدين الرسميين من حضور المنافسات بأنه خطوة غير عادلة وتتنافى مع الروح التنظيمية للحدث العالمي.
نمط أوسع من المنع الأمريكي
تتجاوز واقعة بقاء الرجوب في المكسيك حدود الحادثة الفردية لتكشف نمطًا أوسع من القيود الحدودية المفروضة خلال هذه النسخة من المونديال؛ إذ أشارت التغطيات الصحفية الغربية إلى أن رئيس الاتحاد الفلسطيني انضم إلى قائمة متزايدة من المسؤولين الرياضيين والمشاركين المعتمدين الذين تعطلت مهامهم أو ألغيت بالكامل نتيجة قرارات المنع والتدقيق الأمني الأمريكي، لتُظهر هذه التعقيدات فجوة عميقة بين الخطاب الاحتفالي لبطولة مفتوحة نظريًا، والواقع الإجرائي الصارم على المعابر الدولية.

ذروة الإجراءات.. القيود الأمريكية بالمونديال
تجلت ذروة هذه الإجراءات الحدودية الحادة في أزمة الحكم الصومالي الدولي عمر عبدالقادر أرتان، الذي وصل بالفعل إلى الأراضي الأمريكية قبل إعادته من حيث أتى.
وقد أكدت وكالة «رويترز» أن أرتان مُنع من دخول الولايات المتحدة فور وصوله إلى مطار ميامي، بالرغم من امتلاكه تأشيرة سفر سارية المفعول واعتمادًا رسميًا للمشاركة في إدارة مباريات المونديال.
وأوضحت السلطات الجمركية وحماية الحدود الأمريكية أن قرار المنع استند إلى مخاوف تتعلق بالتدقيق الأمني، وهو ما يثبت أن امتلاك التأشيرة يمثل مجرد خطوة أولى تخضع في النهاية للسلطة التقديرية المطلقة لموظفي الحدود عند الوصول.
تقييم سيادي أم تناقض مؤسسي؟
ويعكس التطور اللاحق في مسيرة الحكم الصومالي تناقضًا مؤسسيًا كبيرًا بين التقييم الرياضي الدولي والتقييم الأمني الأمريكي.
ذكرت «رويترز» أن أرتان، الذي فقد فرصته في تسجيل ظهوره الأول في نهائيات كأس العالم، حظي بتكليف رسمي مباشر لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي بين فريقي باريس سان جيرمان وأستون فيلا.
وتبرهن هذه الخطوة الأوروبية أن إقصاء أرتان من المونديال ارتبط حصرًا بالاعتبارات السيادية الأمريكية، وكان منفصلًا تمامًا عن أي تقييم يمس كفاءته المهنية أو مكانته التحكيمية داخل المنظومة الكروية.
اقرأ أيضًا: ماذا يريد المسحل ودونيس من المونديال؟

سابقة كندية من المنع
ولا تقف العراقيل الحدودية التي تواجه مسؤولي كرة القدم الفلسطينية عند بوابات الولايات المتحدة، حيث واجهوا موقفًا مشابهًا في كندا قبل أسابيع قليلة من انطلاق المونديال.
وكشفت التقارير حرمان السلطات الكندية لجبريل الرجوب ومسؤولين آخرين من تأشيرات الدخول لحضور الكونجرس السنوي للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في مدينة فانكوفر.
وتربط هذه السلسلة من المنع المتكرر واقعة المكسيك الحالية بمسار أطول من التضييق الممنهج على التحركات الرياضية الفلسطينية داخل الفضاءات المرتبطة بإدارة كرة القدم العالمية.
فيفا في مواجهة المعضلة
وتضع هذه التطورات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» أمام معضلة هيكلية كبرى تتعلق بحدود سلطته على الدول المستضيفة؛ إذ أظهرت الأزمات المتتابعة، وبخاصة في قضية الحكم الصومالي، عجز منظومة «فيفا» عن فرض إرادتها أو حماية معتمديها أمام قرارات الرفض السيادية.
وتثبت الوقائع الميدانية أن الحكومات المضيفة تحتفظ بالكلمة النهائية والحاسمة في مسألة منح التأشيرات أو السماح باجتياز البوابات الحدودية، مما يجعل قرارات الاستضافة العالمية أسيرة للتوجهات السياسية والهواجس الأمنية المحلية.
إعفاءات نظرية وحاجز العولمة
كما تصطدم الإجراءات الصارمة على الأرض بالإعفاءات القانونية التي يُفترض تطبيقها خلال الفعاليات الرياضية الكبرى. وقد ذكرت شبكة «إي إس بي إن» في وقت سابق وجود استثناءات معلنة تتيح للرياضيين والمسؤولين المشاركة في الأحداث الكبرى داخل الولايات المتحدة بمعزل عن قيود السفر الواسعة المفروضة على دول بعينها.
وتبرهن حالات المنع الأخيرة أن هذه الاستثناءات القانونية تظل نصوصًا نظرية، بينما تسيطر الإجراءات الأمنية المعقدة والقرارات الفورية لموظفي الحدود على المشهد الفعلي، مما يفرغ الإعفاءات الرياضية من مضمونها العملي.
وتوضح الأسابيع الأولى من انطلاق التجمع الكروي الأكبر في العالم أن الحصول على الاعتماد الرسمي أو حمل بطاقة هوية دولية من «فيفا» أصبح إجراءً شكليًا عاجزًا عن التكفل بعبور البوابات الحدودية للدول المستضيفة.
وتفرض هذه الممارسات واقعًا جديدًا تتحول فيه حدود أمريكا الشمالية إلى حواجز صلبة تعيد صياغة مفاهيم العولمة الرياضية، وتضع حيادية البطولات المستقبلية تحت اختبار قاسٍ يتعلق بعدالة الوصول وحرية التنقل قبل النظر إلى أي حسابات تنافسية على العشب الأخضر.

