تبدو كأس العالم 2026 مختلفة عن كل ما سبقها، ليس فقط لأنها الأكبر في تاريخ البطولة من حيث عدد المنتخبات والمباريات والمساحة الجغرافية، ولكن لأنها تقام وسط توترات سياسية واقتصادية غير مسبوقة بين الدول المضيفة نفسها، الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وفي ظل أزمات دولية تلقي بظلالها على الطاقة والتجارة والأسواق.
البطولة التي تستضيفها أمريكا الشمالية تأتي بينما تمر الدول الثلاث بمرحلة حساسة من الخلافات التجارية وإعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، كما تأتي في وقت تتداخل فيه السياسة مع كرة القدم بصورة واضحة، خصوصا مع اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحدث، واستثمار حضوره السياسي في كأس العالم وأولمبياد لوس أنجلوس 2028.
لكن البعد الأهم في هذه النسخة ليس سياسيا فقط، بل اقتصادي بامتياز. فقد تحولت البطولة إلى تجربة ضخمة في إعادة تسعير كرة القدم على الطريقة الأمريكية، حيث لم تعد الفكرة قائمة على ملء المدرجات فقط، بل على تعظيم الإيرادات إلى أقصى حد ممكن من خلال أسعار تذاكر مرتفعة ونظام تسعير ديناميكي يتغير حسب الطلب.
في بطولات سابقة، كانت الدول المضيفة تنفق مليارات الدولارات على بناء ملاعب وبنية تحتية جديدة، على أمل تحقيق مكاسب سياحية وتسويقية طويلة الأجل. أما في نسخة 2026، فالوضع مختلف تماما. معظم المباريات تقام في ملاعب كرة قدم أمريكية قائمة بالفعل، دفعت تكلفتها بالأساس جماهير رياضة الـNFL، بينما تستأجرها فيفا وتعيد بيع التجربة الكروية بأسعار غير مسبوقة.
هذا النموذج جعل العبء المالي ينتقل بدرجة كبيرة من الحكومات إلى الجماهير. فالمشجع لم يعد يدفع فقط ثمن التذكرة، بل يواجه أيضا تكاليف نقل ومواقف سيارات وخدمات مرتفعة جدا. ومن الأمثلة اللافتة ارتفاع سعر تذكرة قطار نيوجيرسي خلال البطولة إلى نحو 100 دولار بعدما كانت لا تتجاوز 12.90 دولار للذهاب والعودة في الظروف العادية. كما وصلت أسعار مواقف السيارات الرسمية في بعض المواقع إلى 175 و225 دولارا.
أسعار التذاكر نفسها أثارت جدلا واسعا. فبعض مباريات المجموعات الجاذبة اقتربت تذاكرها من ألف دولار، بينما وصلت تذاكر النهائي إلى مبالغ من خمسة أرقام بالدولار. حتى المباريات الأقل جماهيرية لم تعد رخيصة بالمعنى التقليدي، إذ باتت التذاكر التي توصف بأنها “منخفضة” تكلف مئات الدولارات.
الأخطر أن فيفا أدخلت السوق الثانوية للتذاكر داخل منظومتها الرسمية، حيث يستطيع المشجع إعادة بيع تذكرته دون سقف سعري واضح، بينما تحصل فيفا على نسبة من البائع والمشتري. بهذا الشكل، تحاول المؤسسة أن تستحوذ على هامش الربح الذي كان يذهب عادة إلى السوق السوداء أو تجار التذاكر.
تقول فيفا إن هذه الإيرادات ستعود بالنفع على كرة القدم العالمية، خاصة الاتحادات الصغيرة والدول الفقيرة، من خلال برامج تطوير البنية التحتية والناشئين. وتشير المؤسسة إلى أن نموذج التوزيع المتساوي للدعم بين الاتحادات الأعضاء يساعد دولا صغيرة على تطوير اللعبة والمنافسة بصورة أفضل.
لكن المنتقدين يرون أن ما يحدث يعكس ما يسمى بالاقتصاد على شكل حرف K، حيث يصعد أصحاب الدخول المرتفعة إلى أعلى، بينما تتراجع قدرة الطبقات المتوسطة والعاملة على المشاركة في التجارب الجماهيرية الكبرى. بمعنى آخر، كأس العالم التي يفترض أن تكون احتفالا شعبيا عالميا قد تتحول إلى منتج فاخر موجه لمن يستطيع الدفع.
هذا النموذج مستوحى إلى حد كبير من الاقتصاد الرياضي الأمريكي، خاصة دوري كرة القدم الأمريكية، حيث تعظم الأندية إيرادات المقاعد الفاخرة والضيافة والمقصورات الخاصة، حتى لو جاء ذلك على حساب الجماهير التقليدية. وتخشى أوساط كروية أن يؤدي نجاح تجربة فيفا إلى تشجيع ملاك أندية أوروبية، خاصة المرتبطين بالنموذج الأمريكي، على نقل نفس السياسة إلى الدوريات الأوروبية.
ورغم الإيرادات الضخمة المتوقعة، فإن المدن المضيفة لا تبدو كلها رابحة. فبعكس نسخة 1994 في الولايات المتحدة، لا تحصل المدن هذه المرة على نصيب مباشر من إيرادات التذاكر، بينما تتحمل تكاليف الأمن والنقل والتنظيم. لذلك حاولت بعض المدن تعويض جزء من التكاليف عبر رفع أسعار المواصلات والخدمات المرتبطة بالمباريات.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستمتلئ الملاعب بهذه الأسعار؟ وهل ستنجح فيفا في الحفاظ على أجواء كأس العالم الجماهيرية التي تقوم على الحضور الشعبي والهتاف والألوان والرحلات القادمة من كل أنحاء العالم؟ أم أن البطولة ستبدو فاخرة من الخارج لكنها أقل صخبا وحيوية من الداخل؟
هناك بالفعل مؤشرات على مقاومة السوق. بعض أسعار إعادة البيع تراجعت في المباريات الأقل طلبا، كما فتحت جهات رقابية في ولايات أمريكية وأوروبية باب النظر في شكاوى تتعلق بالتسعير والندرة المصطنعة وارتفاع الأسعار بصورة مبالغ فيها.
اقتصاديا، قد تحقق فيفا مكاسب تاريخية من التذاكر والضيافة، وربما تصبح إيرادات البطولة الأكبر في تاريخ الرياضة العالمية. لكن التأثير الكلي على الاقتصاد الأمريكي قد يكون محدودا بسبب ضخامة الاقتصاد نفسه، وبسبب أن جزءا كبيرا من الإيرادات لا يبقى بالضرورة داخل المدن المضيفة.
في المقابل، يمكن للبطولة أن تصنع أثرا معنويا واستهلاكيا في بعض الدول، خاصة إذا حققت منتخباتها نتائج جيدة. فالمباريات الكبرى عادة ما تنعش المطاعم والمقاهي ومحال التجزئة، وتدفع الجماهير إلى الإنفاق على الطعام والمشروبات والملابس والشاشات والرحلات.

