ضربت السواحل الشمالية لفنزويلا كارثة طبيعية غير مألوفة أسفرت عن مقتل أكثر من 180 شخصا، إثر تعرضها لزلزالين قويين متتاليين، فيما يعرف علميًا بظاهرة «الزلزال المزدوج».
ووفقًا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تحدث هذه الظاهرة عندما يضرب زلزالان متقاربان في الحجم والموقع الجغرافي بفارق زمني ضئيل للغاية، وهو ما تحقق تمامًا مساء الأربعاء؛ حيث ضرب الزلزال الأول بقوة 7.2 درجة على مقياس ريختر، ليعقبه زلزال آخر بقوة 7.5 درجة بعد 39 ثانية فقط.
أدت هذه الضربة المزدوجة العنيفة إلى انهيار مبان بأكملها في العاصمة كاراكاس ومحيطها، ما أسفر عن إصابة نحو 1500 شخص، في حين لا يزال الآلاف في عداد المفقودين.
وأفاد مسؤولون بأن إقليم «لا غوايرا» الساحلي شمالي العاصمة كاراكاس، كان الأكثر تضررًا من حيث حجم الدمار وأعداد الضحايا.
أسباب ظاهرة الزلزال المزدوج
أوضحت كريستين غوليه، مديرة مركز علوم الزلازل التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، لوكالة «أسوشيتد برس»، أن هذه الظاهرة ليست شائعة كحال الزلازل التقليدية التي تتبعها عادة هزات ارتدادية أصغر حجمًا، لكنها قد تحدث في أي مكان في العالم.
وأشارت غوليه إلى أن ظاهرة الزلزال المزدوج تنبئ بوجود تصدع وجيوب زلزالية معقدة، وهو الوضع القائم في فنزويلا وتحديدًا في «فالق بوكونو»، الذي يمتد على طول سلسلة جبال الأنديز الفنزويلية لمسافة تصل إلى 500 كيلومتر.
وقد شهدت هذه المنطقة زلزالًا مزدوجًا سابقًا بقوة 6.2 و6.3 درجة ضرب منطقة غرب كاراكاس في سبتمبر 2025، ما أسفر حينها عن مقتل شخص واحد وإصابة أكثر من 100 آخرين، وتركزت معظم الأضرار في بلدتَي زوليا ولارا.
وعادة ما تنشأ معظم الزلازل عند نقاط التقاء الصفائح التكتونية، وفي حالة فنزويلا، تسبب تصدع مفاجئ عند خط الالتقاء بين صفيحة البحر الكاريبي وصفيحة أمريكا الجنوبية في إطلاق هذه القوة التدميرية.
وتتحرك صفيحة الكاريبي شمالي فنزويلا، شرقًا بالنسبة لصفيحة أمريكا الجنوبية بمعدل سنوي يبلغ سنتيمترين.
وذكرت غوليه أن هذا الانتقال يمثل «إزاحة ضخمة، وهي تعادل في حجمها حركة فالق سان أندرياس الشهير»، مبينة أن الحركة الناتجة اتخذت شكل فالق مضربي مائل وضحل، وهو ما يحدث عندما تنزلق كتلتان صخريتان أفقيًا بمحاذاة بعضهما البعض.
وأكدت غوليه أن هذا النوع من الحركة ليس بالضرورة الأكثر خطورة بطبيعته، موضحة أن «الحركة العمودية قد تكون أكثر تدميرًا في كثير من الأحيان».
أشارت غوليه أيضًا أن عوامل أخرى، مثل طول التصدع، هي التي تحدد حجم الدمار النهائي.
ومن جانبه، أوضح ديفيد نار عميد كلية العلوم البحرية بجامعة جنوب فلوريدا، أن الحدود الفاصلة بين صفيحتي الكاريبي وأمريكا الجنوبية تعد أقل نشاطًا مقارنة بحدود تكتونية أخرى في العالم.
التاريخ الزلزالي وكارثة زلزال فنزويلا المزدوج
بحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، لم تشهد هذه المنطقة تحديدًا خلال القرن الماضي سوى 7 زلازل بلغت قوتها 6 درجات أو أكثر، بما في ذلك الزلزال المزدوج الذي وقع غرب والشمال الغربي للمنطقة عام 2025.
وقد ضربت زلازل فردية قوية المنطقة بقوة 6 درجات أو أكثر في أعوام 2009 و1989 و1975، غير أن الزلزال الأكثر دمارًا وقع في يوليو 1967، عندما ضرب زلزال بقوة 6.6 درجة البلاد وأسفر عن مقتل المئات.
تاريخيًا، ضرب شمال فنزويلا وسواحلها 5 زلازل كبرى بقوة 7 درجات أو أكثر منذ عام 1900، أما الكارثة الأضخم على الإطلاق فتعود إلى مارس 1812 على طول نظام «فالق بوكونو»، حيث تسببت في زلزال مدمر أودى بحياة نحو 30 ألف شخص.
توقعات المستقبل بعد زلزال فنزويلا المزدوج
رغم عجز العلماء عن التنبؤ بالموعد الدقيق للزلازل، إلا أن الهزات الارتدادية تعد أمرًا حتميًا بعد الزلازل الكبرى، وترى هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن هناك احتمالية بنسبة 99% لتعرض فنزويلا لهزة ارتدادية واحدة على الأقل بقوة 4 درجات خلال الأسبوع المقبل، واحتمالية بنسبة 24% لحدوث هزة بقوة 6 درجات.
وما يفاقم حجم المأساة، افتقار فنزويلا إلى نظام إنذار مبكر للزلازل، والذي يعتمد على أجهزة استشعار خاصة لرصد الموجات الزلزالية الأولى وتنبيه السكان.
وفي هذا السياق، أعرب خبراء وعلميون عن قلقهم البالغ قائلين: «الوضع مأساوي للغاية؛ فلم يكن هناك أي وقت متاح لإخلاء المباني، وهو أمر مؤسف ومفجع للغاية».

