ليلى الجابر
لم يعد ( مهرجان أفلام السعودية ) مجرد حدث سنوي يجتمع فيه عشاق السينما لمشاهدة باقة من الأفلام أو الاحتفاء بالفائزين بل تحول في دوراته الأخيرة إلى رافعة حقيقية لاقتصاديات السينما في المملكة.
إننا اليوم أمام تحول جوهري يقلب المعادلة التقليدية للمهرجانات من كونها واجهة عرض إلى تحولها إلى مختبر صناعي متكامل تذوب فيه المسافات بين الحكاية المكتوبة على الورق وبين الشاشة التي نراها في صالات العرض.
من صالة عرض إلى بيئة نمو
إذا نظرنا بعمق إلى ما يقدمه المهرجان نجد أنه نجح في مأسسة دورة حياة الفيلم لم يعد المهرجان يكتفي باستقبال الأفلام الجاهزة بل بات شريكاً في عملية التكوين.
من خلال سوق الإنتاج وسوق المشاريع خلق المهرجان مساحة التقاء استراتيجية بين المبدعين (كتاب، مخرجين، منتجين) وبين المستثمرين وصناديق التمويل.
هذا الربط الصناعي هو التطور الأهم حيث أصبحت الفكرة في المهرجان سلعة قابلة للتطوير، والتمويل، والشراكة، مما يضمن خروج الفيلم من إطار الهواية إلى فضاء الاحتراف.
التكوين والتدريب / الاستثمار في العنصر البشري
لا يمكن الحديث عن صناعة سينمائية دون الحديث عن المحرك البشري لقد أدرك مهرجان أفلام السعودية مبكراً أن التجهيزات التقنية وحدها لا تصنع سينما بل الكوادر المؤهلة
ومن هنا تحولت الورش التدريبية التي تقام على هامش المهرجان إلى أكاديمية مصغرة يكتسب من خلالها الجيل الجديد من السينمائيين السعوديين أدواتِهم في كتابة السيناريو، والإخراج، والإنتاج، وحتى الجوانب القانونية والتسويقية للفيلم
هذه الاستدامة في التدريب جعلت من المهرجان حاضنة معرفية تعزز من جودة المحتوى السينمائي السعودي وتجعله قادراً على المنافسة في المحافل الدولية.
السينما كقوة ناعمة واقتصاد منتج
إن تحويل الحكاية إلى صناعة يعني تحويل القصص المحلية المستمدة من عمق الثقافة السعودية إلى منتجات عالمية الجودة
المهرجان اليوم يوفر منصة تمكن المبدع السعودي من عرض هويته عبر قوالب سينمائية احترافية مما يفتح أبواباً للتعاون الدولي ويجعل من السينما صناعةً تساهم بفاعلية في الناتج المحلي.
إن المهرجان بتركيبته الحالية التي تجمع بين التدريب والتمويل والإنتاج والتوزيع لم يعد مجرد احتفالية سينمائية بل أصبح عصب الصناعة هو المكان الذي يلتقي فيه الطموح بالخبرة، والمال بالفكرة، ليتمخض عن هذا اللقاء واقع سينمائي سعودي متطور تتشابك فيه خيوط الحكاية لتصنع اقتصاداً إبداعياً يليق بمكانة المملكة.
يبقى مهرجان أفلام السعودية شاهداً على أن الحكاية عندما تُحاط ببيئة صناعية داعمة لا تكتفي بأن تُروى بل تُبنى وتنمو وتنافس لتكون جزءاً من المشهد الثقافي والصناعي العالمي.

