د. سعود النداح
حين يأتي التعب يذهب الناس إلى الإجازة، أو إلى المال، أو إلى تغيير المكان، أو إلى من يُسمعهم ما يريدون سماعه، وكل هذا يُخفف لكنه لا يبني، لأن ما يبحثون عنه ليس استراحة من الحياة، هو قدرة على حمل الحياة دون أن تُثقل، وتلك القدرة لا تأتي من خارج الإنسان، تأتي من داخله ومن داخله فقط.
نحن نعيش في ملكوت له نظام، والنظام لا يُفاوَض عليه، يُطبَّق أو يُتجاهل، وحينما نتجاهله يظهر أثره في الجسد قبل العقل وفي العقل قبل العلاقات وفي العلاقات قبل أن يدرك الإنسان أن المشكلة ليست فيمن حوله.
النوم مثلاً له وقت وهذه حقيقة بيولوجية ودينية في آن واحد فالنبي صلى الله عليه وسلم كره السهر بعد العشاء، وما كشفه العلم لاحقاً جاء مؤكداً لذلك، حين تلتزم بوقت النوم يصبح يومك أكثر طاقة ويصبح جهازك العصبي أقدر على استيعاب ما لا تستطيع التحكم فيه، وتلك هي الراحة الحقيقية.
والصلاة بخشوع وطمأنينة شيء آخر تماماً عن الصلاة كواجب يُؤدَّى فحينما تقف وأنت حاضر فعلاً لا تؤدي كعادة، تُعيد ضبط ما اضطرب وهذا الضبط لا يصنعه تأمل ولا علاج ولا إجازة لأن ما تُصلحه الصلاة أعمق مما تصله هذه الأشياء. وتوزيعها على اليوم خمس مرات هو إعادة معايرة متكررة لإنسان يتعرض طوال يومه لما يصيبه بخلل.
والأكل أيضاً بلقيمات يُقمن صلبك وإن كان لا بد فثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك كان فهماً لطبيعة الجسد قبل أن تعرف الطب طبيعة الجسد، الإنسان الذي يلتزم بهذه النظام سيحافظ على تركيزه وقراراته وعلاقته مع نفسه، والإنسان الذي يتجاوز الحد يدفع الثمن في الصحة وفي الطاقة التي تذهب لهضم ما لم يكن ضرورياً.
والحركة والمشي في الأرض لم يرد ذكرها في القرآن عبثاً. الجسد الذي يتحرك يُفرز ما يهدئ ويصرف ما يضغط ويُعيد للعقل صفاءه حين يكون مشغولاً بما لا ينتهي، والإنسان الذي يجلس طويلاً يشعر بثقل لا يعرف مصدره، وكثيراً ما يكون مصدره أنه أعطى عقله كل شيء ولكنه لم يعطي جسده شي.
ومعاملة الناس بخُلق حسن ليست لطفاً اجتماعياً تكتسبه حين تكون بخير، هي قرار يومي يُخفف حملاً داخلياً حقيقياً. الإنسان الذي يحمل أحقاداً في قلبه سيحملها ايضاً في نومه وتفكيره وفي طريقة نظره لكل موقف يمر به، والصفح والعفو هما تفريغ لطاقة كانت ستُصرف في مكان لا ينتج شيئاً.
وصلة الرحم والاجتماع على ما ينفع ليسا رفاهية اجتماعية. فالإنسان حين يشعر بانتمائه ومكانه بين من يحبهم يحمل اليوم الصعب بطريقة مختلفة تماماً عمن يحمله وحيداً، والعزلة التي يظنها بعضهم راحة كثيراً ما تكون هروباً يعود بمزيد من الاحتقان والتراكمات.
وقس على كل هذا، فكل ما وضعه الله من معايير في حياة الإنسان، في وقته وبدنه وطعامه وعلاقاته ونفسه، له وجهان لا ينفصلان، وجه العبادة الذي تُثاب عليه، ووجه الأثر الدنيوي الذي تعيشه، وهذا التوافق هو دليل على أن من وضع هذه المعايير يعلم بمن وضعها له.
ما يجمع كل هذا هو الانضباط بمعنى الاختيار الواعي المتكرر، لأن الراحة لا تأتي من لحظة واحدة صحيحة، تأتي من أيام مبنية على قرارات صغيرة متسقة. والإنسان الذي يعيش يومه بانضباط لا يحتاج أن يبحث عن الراحة في نهايته، لأنها كانت موجودة طوال اليوم في كل اختيار أحسن فيه.
الراحة التي تدوم لا تُوجد في غياب الضغط، ولا تُشترى بالمال، ولا تأتي مع الإجازة، توجد عند الإنسان الذي فهم أن الله حين وضع له معايير لم يُقيّده، كان يبني له حياة تسع أكثر مما يتخيل.

