د. سعود النداح
للتقاعد في أنظمتنا تاريخ معلوم يسبقه عدّ وتخطيط، وتعرف الموارد البشرية متقاعديها بالاسم والرقم الوظيفي. غير أن أوسع أنواع التقاعد انتشاراً يظهر في الأربعين لا في الستين، ويواصل أصحابه الدوام بعده سنوات طويلة، يحضرون كل صباح ويوقّعون ويجتمعون ويردون على الرسائل، بينما أذهانهم سلّمت استقالتها منذ زمن. إنه التقاعد النفسي المبكر: أن يتوقف الإنسان عن التطلع قبل أن يتوقف عن الدوام.
وأصحاب هذا التقاعد يعلنون عن أنفسهم دون قصد. استمع إلى المجالس تسمع الجملة تتردد بابتسامة: «باقي لي ثمان سنوات واتقاعد». يسمعها الحاضرون ويتجاوزونها، وهي في حقيقتها وثيقة تقاعد وقّعها صاحبها قبل موعدها بثماني سنوات كاملة، فتحولت الحياة عنده من مشروع يُبنى إلى عدّ تنازلي بداء داخلياً، والفارق بين الاثنين هو الفارق بين من يمشي إلى شيء ومن يمشي فقط ليصل آخر اليوم.
ولهذا التقاعد علامات يجب أن ننتبه لها. صاحبه يعيش على وضع الانتظار الدائم ينتظر نهاية الأسبوع من يوم الأحد، وينتظر الإجازة من أول يوم دوام، وينتظر التقاعد من منتصف العمر، فإذا جاء ما ينتظره لم يجد فيه ما كان يتخيل، لأن المشكلة لم تكن في الأيام، كانت في خلو الأيام من مشروع. وتجده يقاوم كل جديد بجملة جاهزة: «خلاص كبرنا على هذا»، ويتحدث عن الماضي أكثر مما يتحدث عن القادم، والإنسان حين يكثر الالتفات إلى الخلف فاعلم أن أمامه لم يعد يغريه.
وفي علم النفس تفسير دقيق لهذا الانطفاء فقد وصف «سيليجمان» ما سماه العجز المتعلم: الكائن الذي تتكرر محاولاته دون نتيجة يتوقف عن المحاولة حتى لو تغيرت الظروف وصار النجاح ممكناً. والموظف الذي قدم أفكاراً فقوبلت بالتجاهل، وانتظر ترقية فذهبت لغيره، واجتهد سنوات فلم ير أثراً لاجتهاده، لا يقرر الانطفاء قراراً واعياً، يتعلمه تعلماً، ثم يعممه من وظيفته على حياته كلها، فيطفئ المحرك في الأربعين ويكتفي بأن تجره الأيام.
وخطورة هذا التوقيت أن الأربعين لم تعد منتصف النهاية كما كانت في أذهان الأجيال السابقة، صارت منتصف الطريق فمن يتقاعد نفسياً فيها يحكم على نفسه بسنوات أخرى في صالة الانتظار. والجسد يسمع قرارات النفس ويطيعها بدقة مزعجة، ولعل أوضح شاهد أولئك الذين اختفت صحتهم بعد تقاعدهم الوظيفي بقليل، لا لأن العمل كان يحفظ صحتهم، لأنه كان مشروعهم الوحيد، فلما انتهى لم يجد الجسد سبباً وجيهاً للاستمرار بكامل طاقته.
والمتأمل في ديننا يجد أنه لا يعرف التقاعد من المعنى إطلاقاً، وأصرح ما قيل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» تأمل: الدنيا تنهار والمطلوب منك أن تكمل الغرس. ليست القضية أن أحداً سيأكل من ثمرها، القضية أن الإنسان يموت واقفاً في مشروعه لا جالساً في انتظاره، وأن قيمة الغرس في الغارس قبل أن تكون في الغرس نفسه.
والمخرج من هذا التقاعد يحتاج تصحيح خلطة واحدة: أن يفرق الإنسان بين وظيفته ومشروعه. الوظيفة عقد له نهاية معلومة، أما المشروع فسؤال مفتوح: ماذا أغرس؟ علم يُتقن، أو جيل يُربى، أو خبرة ثلاثين سنة تتحول إلى نفع للناس، أو حتى مهارة تتقن في الخمسين لا لشيء إلا لأن الفضول ما زال حياً. فالذي عنده ما يغرسه لا يعد السنوات، يعد ما أنجز فيها، والعدّان يصنعان عمرين مختلفين تماماً من المدة الزمنية نفسها.
إن أقسى ما في التقاعد النفسي المبكر أنه لا يقام له حفل وداع ولا يلتقط فيه أحد الصور، يمر بصمت في لحظة يقرر فيها إنسان أن ما بقي من العمر مجرد وقت يُصرف. والحقيقة التي تستحق أن تُعلق على جدار كل مكتب: من الناس من يبلغ الستين وهو لم يبدأ بعد، ومنهم من يرحل في الأربعين وقد عاش عمرين، فالعمر يُقاس بما بقي فيه من غرس.

