كشفت دراسة حديثة أعدها باحثون في جامعة «أغدر» في النرويج، ونُشرت على موقع الجامعة، عن وجود روابط واضحة بين النمط الغذائي اليومي للأطفال وسلامة صحتهم النفسية في سن مبكرة.
أسباب انتشاره وتأثيراته الصحية
شهدت العقود الأخيرة ارتفاعًا في معدلات استهلاك الوجبات الخفيفة بين الأطفال، لا سيما في الدول الغنية، ما أدى إلى زيادة استهلاك الأغذية الغنية بالطاقة والفقيرة بالعناصر الغذائية الأساسية.
وتعود هذه التغيرات إلى عوامل متعددة، منها عمل كلا الوالدين، وارتفاع مستويات الدخل التي تتيح شراء الطعام والشراب من خارج المنزل، إلى جانب تراجع الاعتماد على الوجبات العائلية المنزلية وزيادة توفر الأغذية المصنعة بأسعار منخفضة.
وأوضح الباحثون أن هذا النمط انعكس سلبيًا على صحة الأطفال العضوية، مسببًا ارتفاع معدلات البدانة ومقاومة الإنسولين، فضلاً عن اضطرابات التمثيل الغذائي مثل السكري من النوع الثاني وارتفاع الكوليسترول، كما امتد التأثير إلى الجانب النفسي ليزيد من معدلات القلق والمشكلات السلوكية مثل العدوانية والميل إلى العنف.
ورغم وجود أبحاث سابقة تناولت العلاقة بين النظام الغذائي والصحة النفسية، فإن معظمها ركز على المراهقين والبالغين، ما أوجد نقصًا في البيانات المتعلقة بالأثر المبكر لنوعية الأغذية على سلوكيات الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة.
منهجية الدراسة وعينات التحليل
اعتمد الباحثون على تحليل بيانات 363 طفلًا أُخذت من دراسة نرويجية سابقة بعنوان «الغذاء المبكر من أجل صحة المستقبل»، تراوحت أعمارهم حول الرابعة وبنسب متساوية تقريبًا بين الذكور والإناث، لرصد أثر النظام الغذائي على السلوك.
وجرى تقييم النظام الغذائي عبر إجابات الوالدين عن أسئلة تحدد معدلات تكرار تناول عناصر غذائية صحية وغير صحية، شملت الخضراوات، والفاكهة، والوجبات الخفيفة الحلوة والمالحة، والمشروبات الغازية.
وفي المقابل، قيّم الباحثون سلوك الأطفال عبر استبيانات تقيس نوعين من المشكلات السلوكية: السلوكيات الداخلية مثل القلق والحزن والانطواء، والسلوكيات الخارجية مثل الغضب والعدوانية والتململ وصعوبات التركيز.
وعمل العلماء على ضبط العوامل المؤثرة الأخرى، مثل جنس الطفل، والبيئة المحيطة، والمستوى التعليمي والاقتصادي للوالدين، والحالة النفسية للأم، والتاريخ المرضي للأسرة.
آليات التأثير الحيوية على المخ
أظهرت النتائج أن زيادة استهلاك الخضراوات والفاكهة في سن الرابعة ترتبط عكسيًا بالسلوك الانطوائي، إذ يسهم الغذاء الصحي في تحسين الحياة الاجتماعية للسلوك، بينما ارتبط استهلاك الوجبات الخفيفة الحلوة والمالحة طرديًا بالسلوك العدواني والعنف.
ولاحظ الفريق أن التأثير السلبي للتغذية غير الصحية كان أقوى من التأثير الوقائي للفاكهة والخضراوات، ما يشير إلى خطورة الوجبات الضارة حتى عند تقديمها مع أطعمة صحية.
ويرجع الربط بين الطعام الصحي والسلامة النفسية إلى احتواء الفاكهة والخضراوات على مضادات الأكسدة وحمض الفوليك والفيتامينات والمعادن، وهي عناصر تحمي المخ من الالتهابات وتحسن الوظائف الإدراكية لدى الطفل قبل دخول المدرسة.
وفي المقابل، تتسبب الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون والأملاح في زيادة الالتهابات والتأثير سلبيًا على المخ، ما يحفز السلوكيات التخريبية، وتزداد المشكلة عندما يقدم الوالدان الأطعمة السكرية للطفل الغاضب بهدف تهدئته، ما يدخله في دائرة مستمرة من العدوانية.
الوقاية المبكرة وتشكيل العادات
تُشكل مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين تحديًا في المجتمعات المتقدمة، ففي النرويج يعاني نحو 20% من الفتيات و10% من الفتيان المراهقين من مستويات مرتفعة من الضيق النفسي.
وتشير الأبحاث النفسية إلى أن المشكلات التي تظهر في سن مبكرة هي الأكثر استمرارًا وصعوبة في العلاج على المدى البعيد، ما يستدعي التدخل المبكر والوقاية عبر تعديل النظام الغذائي بالتزامن مع الدعم النفسي والعلاج السلوكي.
وحذرت الدراسة من التهاون في تقديم الوجبات الخفيفة الضارة في دور الحضانة والمدارس، مؤكدة أن الاعتماد المتكرر عليها يساهم في تشكيل العادات الغذائية الدائمة للطفل لاحقًا.

