د. عائشة بنت مفتي القرشي
يعرف الحريق على أنه “نار كبيرة مدمرة تهدد حياة الأفراد، الحيوانات أو الممتلكات”، وتعتبر الحرائق من الكوارث التي تتسبب في فقد الممتلكات والأرواح معا، وقد تؤثر على الاف الهكتارات ومدن بأكملها وتحولها إلى رماد.
ويحدث الحريق لأسباب طبيعية كالصواعق والزلازل وارتفاع حرارة الجو كما في حرائق الغابات غالبا، أو لأسباب بشرية بداعي التخريب على سبيل المثال، أو الإيذاء العمد، أو لهوس مَرضي كما تم اكتشافه في حوادث كثيرة، كذلك قد يتسبب الجهل، اللامبالاة، والإهمال، والسهو، وهنالك الحرائق الناتجة عن الحروب، أو الحوادث كحوادث السيارات أو الطائرات، وأيضًا التخزين السيئ والخطر للمواد القابلة للاشتعال أو الانفجار، والأعطال الكهربائية، أو وجود مواد سهلة الاشتعال بالقرب من أجهزة كهربائية.
الحريق تحكمه قوانين الفيزياء والكيمياء، حيث يحتاج إلى توفر المادة والحرارة والأكسجين لتبدأ سلسلة التفاعل الكيميائي بين تلك المواد الثلاث بطرق معقدة فيحدث الاشتعال، والمادة قد تكون جسم صلب (خشب، ورق، قماش، ..الخ)، أو سائل وشبه سائل (كالشحوم بجميع أنواعها، الزيوت، البنزين، الكحول،..الخ)، أو غازي (كغاز البوتان، الإستلين، الميثان، ..الخ) ، اما الحرارة فتتواجد في الطبيعة على هيئة إشعاع حراري (كإشعاع الشمس، الشعاع الناتج من الحرائق والمدفأ الكهربائي)، أو الشعلة المكشوفة (كالشمعة، الشرارة والقوس الكهربائي، الاحتكاك، الطاقة الكهربائية)، وتنقل عن طريق السطح الموصل للحرارة وعن طريق الحمل، وذلك عن طريق التيارات الهوائية الساخنة، والشعاع. اما الأكسجين فهو غاز متواجد في الهواء (يحتوي الهواء الجوي على نسبة 21% من الأكسجين) وهو العامل المؤكسد والضروري لحدوث الإشتعال، ولتشتعل المادة تحتاج توفر نسبة 14% فقط من الأكسجين في محيط الحريق.
هناك أربعة أنواع معروفة من الحرائق: حرائق المواد الصلبة القابلة للاشتعال، وحرائق السوائل والغازات القابلة للاشتعال، وحرائق الأجهزة الكهربائية، وحرائق المعادن القابلة للاحتراق. وبما ان اشتعال وانتشار الحرائق يعتمد على توفر الأكسجين، والحرارة، والوقود فللسيطرة على الحريق وإخماده بالكامل ممكن من خلال تعطيل أحد هذه العناصر، مع اتباع الأساليب الأكثر كفاءة، ومعرفة الطريقة المثلى للتعامل مع الحريق كل حسب نوعه، فلكل نوع من هذه الحرائق المذكورة اعلاه المواد المناسبة لإطفائها، حيث يمكن ان يؤدي استخدام المواد الخطأ إلى زياد حدة الحريق بدلا من اخماده.
يحفظ التاريخ كوارث حريق كارثية كثيرة نذكر منها: حريق بشتيغو في عام 1871م، والذي يتراوح ضحاياه بين 1500 – 2500 قتيل، وحريق 1910 م العظيم الذي تسبب في مقتل 80 شخصا كان غالبيتهم من رجال الإطفاء، وامتدّت نيرانه على مسافات هائلة، مما ادى إلى تطوير قوانين الحماية من العواصف النّاريّة، وتحسين وطرق مواجهتها. هناك أيضًا حرائق يوم الجمعة الأسود في فيكتوريا (أستراليا) في العام 1939م، والتي دمرت أكثر من خمسة ملايين فدان وحدثت بعد عدة سنوات من الجفاف، تلاها ارتفاع درجات الحرارة والرياح القوية، وهناك أيضًا حرائق غابات التايغا السيبيرية التي وقعت في العام 2003، وحرائق ألاسكا العام 2004 التي اعتبرت الأسوأ على الإطلاق في تاريخ الولاية الأميركية من حيث المساحة المتضررة، عدا حرائق الأقاليم الشمالية الغربية بكندا العام 2014، وغيرها مما لا يسع المقام لذكرها جميعا.
اما ولاية كاليفورنيا الأميركية، فقد كان يعتبر حريق كاليفورنيا (العام 2017 م) هو الحريق الأقوى في تاريخ هذه الولاية، حيث دمّر ما يقارب 6000 مبنى، وهَجّر حوالي 100 ألف شخص واجتاح مسافة تتخطّى 85 ألف هكتاراً، واليوم ولاية كاليفورنيا تعاني من حرائق جديدة بدأت في يناير من العام 2025م في مدينة لوس أنجلوس، وبحسب صحيفة لوس أنجلوس تايمز فقد تضرر أو دمر حتى الآن أكثر من 9000 مبنى ، وبحسب وكالة رويترز، فإن حريق باليساديس بين سانتا مونيكا وماليبو على الجانب الغربي من لوس أنجلوس، وحريق إيتون في شرق المدينة بالقرب من باسادينا يعتبران الأكثر تدميراً في تاريخ المدينة حيث التهمت النيران أكثر من 34 ألف فدان، وبالتالي احترقت أحياء بأكملها. ولم تتوقف الحرائق نهائيا بعد لمعرفة الحصيلة النهائية من الخسائر، فلا زال رجال الإطفاء يواصلون مكافحة حرائق الغابات المتعددة، ولا يزال جزء كبير من المقاطعة تحت تحذير العلم الأحمر.
الجدير بالذكر ووفقا لدراسة شاملة على مستوى العالم أقيمت بين 2001 -2023 ونشرها معهد الموارد العالمية، فإن حرائق الغابات تزداد بنسبة 5.4% سنوي، ويعزز هذه النتائج ما توصل اليه فريق بحث علمي بقيادة علماء من مختبر أرغون الوطني بالولايات المتحدة الأميركية، والذي خلص إلى ان “معدلات حرائق الغابات وشدتها وطولها ستزداد مع الزمن، ويجب على المختصين في نطاقات إدارة حرائق الغابات التجهز من الآن لمستويات قد تكون كارثية.” كما وجد فريق بحثي دولي اخر بقيادة علماء من جامعة جون هوبكنز الأميركية أن “التغير المناخي كان سببا في زيادة معدلات حرائق الغابات “الشديدة” بنسبة 25% في المتوسط مقارنة بعصر ما قبل الصناعة.”
هذا وتؤكد دراسات عديدة أخرى على تأثير التغير المناخي على زيادة وشدة الحرائق في العقود الأخيرة، فقد قام فريق دولي من العلماء في العام 2020 بمراجعة لـ57 دراسة سابقة في هذا النطاق: أظهرت جميعها روابط واضحة بين تغير المناخ وزيادة عدد وشدة الحرائق. كما أظهرت بيانات الرصد في هذه الدراسة أن مواسم طقس الحرائق امتدت عبر ما يقرب من 25% من سطح الأرض النباتي، مما أدى بالتالي إلى زيادة بنحو 20% لطول موسم طقس الحرائق في المتوسط العالمي. لذلك ترى دراسة “إيرثز فيوتشر” التي شاركت فيها مؤسسة “ديزرت ريسيرش” الأميركية، انه يجب على المختصين في نطاقات تقييم مخاطر الحرائق الأخذ بمعامل التغير المناخي، والتجهز بفاعلية لمواسم حرائق أشد وأطول مستقبلا.
التغير المناخي يؤدي إلى انخفاض الأمطار في مناطق عديدة من العالم، وتتسبب موجات الحرارة في تجفيف النباتات لأقصى درجة، فيكون بالتالي اشتعالها وانتشارها أسرع وأسهل واكثر شدة، واطول مدة، كما يؤدي تغير درجات الحرارة إلى تساقط أوراق الأشجار الجافة وموت هذه الأشجار بمعدلات أكبر من المعدل الطبيعي، مما يؤدي إلى انتشار الحرائق اكثر.
الجدير بالذكر ان مخاطر حرائق الغابات تحدد بمدى احتمالية وقوع الحريق من عدمه، وشدة الحريق المتوقع، ومدى إمكانية تعرض البشر للحريق، وحجم الضرر المتوقع حدوثه، بالإضافة إلى طبيعة الغابات في المنطقة المعنية ومدى جفافها، وقربها من بعضها، ثم مدى قربها من المناطق السكنية، وطبيعة المباني السكنية فيها، وهذه العوامل مجتمعة لها تأثير كبير على مدى خطورة الحريق والخسائر المتوقعة، ويجب اخذها بعين الاعتبار عند دراسة مخاطر الحرائق، وكيفية التعامل معها، وكيفية التقليل من الخسائر في المناطق التي تكثر فيها في الغابات بوجه خاص، كما يجب العمل على التقليل من مخاطر الحرائق التي تحدث لأسباب اخرى والتوعية بها، خاصة تلك التي تتسبب فيها الأخطاء البشرية، وعند التخطيط واختيار مواد البناء.

