د. عائشة بنت مفتي القرشي
يعتبر الذكاء الاصطناعي (AI) أداة قوية في مجال المياه، حيث بات استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنياته وبرامج المحاكاة المعتمدة عليه تلعب دورًا متزايد الأهمية في تقييم وإدارة الموارد المائية وذلك من خلال تحسين الكفاءة، تعزيز التنبؤ، ودعم اتخاذ القرارات من خلال تحليل البيانات من مصادر متنوعة مثل صور الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، ومحطات الرصد الجوي، وغيرها بسهولة ويسر ودقة عالية، مما يساعد في تقييم الموارد المائية، وتلبية الاحتياجات في القطاعات المختلفة ومواكبة النمو والتطوير.
حيث يساعد الذكاء الاصطناعي على توقع الاحتياجات المائية، وتحديد مقدار العجز في كل منطقة، ودراسة أنماط استهلاك المياه والتنبؤ بالأنماط المستقبلية، وذلك بناءً على التغير المناخي، والنمو السكاني، والأنشطة الزراعية والصناعية وغيرها، حيث توفر هذه النماذج قدرة على دراسة السيناريوهات المختلفة الحالية والمستقبلية والأكثر تعقيدا لمشاكل المياه، ومن ثم اتخاذ القرارات المناسبة بناء على ذلك، وحسن ادارتها بالطريقة المثلى، مع وضع الخطط الإستراتيجية قصيرة وطويلة المدى.
يساعد الذكاء الإصطناعي في رصد التغيرات البيئية في الأنهار، والبحيرات، والمياه الجوفية، وذلك بدقة اعلى، مما يساعد في اكتشاف وتحديد المناطق الأكثر عرضة للجفاف أو الفيضانات، ومن ثم إدارة المخاطر ومحاكاة سيناريوهات الكوارث كالفيضانات، وتحسين استراتيجيات الاستجابة بطريقة ابكر وافضل من الوسائل التقليدية، كما يمكن للذكاء الاصطناعي ان يقدم حلولاً فورية لإعادة توجيه المياه أو إدارة الموارد الشحيحة أثناء الأزمات.
يساعد استخدام الذكاء الاصطناعي كذلك في نظام توزيع المياه من خلال كشف التسريبات وفي صيانة النظام وتحديد الأولويات، حيث يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي كشف التسريبات في شبكات المياه بطريقة اسهل واسرع، مما يوفر الموارد ويقلل الخسائر. ايضا يمكن استخدامه في تقييم جودة المياه من خلال تحليل عينات المياه، واكتشاف الملوثات الكيميائية أو البيولوجية، مما يساعد في ضمان سلامة المياه والمستخدمين.
يمكن للذكاء الاصطناعي كذلك ان يحلل أنماط الاستهلاك، الطقس، والطلب اليومي لضبط توزيع المياه بكفاءة عبر الشبكة، وتخطيط استراتيجيات تخزين المياه، كما يمكن للذكاء الاصطناعي ان يتنبأ بأعطال المعدات (مثل المضخات أو الصمامات) مبكرا جدا وبالتالي يقلل من انقطاع الخدمة ويطيل عمر البنية التحتية. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال تحلية المياه حيث يمكنه ان يساعد في تحسين عمليات التحلية، ومراقبة جودة المياه والتقليل من استهلاك الطاقة.
الذكاء الاصطناعي كذلك يمكنه ان يساعد في تصميم وتحسين أنظمة الري وتحويلها الى أنظمة ري ذكية توفر المياه بناءً على احتياجات المحاصيل وبما يقلل الهدر، حيث ان أنظمة الري المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل على تحسين كفاءة استخدام المياه بنسبة تصل إلى 30%. وربما اكثر، بالإضافة الى امكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الأنهار ومشاريع تتبع التدفقات حتى بين الدول.
طبعا هنالك تحديات عديدة قد تؤثر على جودة عمل الذكاء الاصطناعي أهمها: مدى توفر البيانات وجودتها ودقتها مع اهمية التحديث المستمر لهذه البيانات، وكذلك التكلفة، حيث ان تطبيق هذه التقنيات قد يكون مكلفًا في الدول النامية بالإضافة الى حاجتها لكميات هائلة من الطاقة، وتوفر الخبرة الفنية، مع الحاجة إلى تدريب الكوادر لإستخدام هذه الأنظمة بكفاءة وفعالية، وذلك بصفة مستمرة لمواكبة اي تطور قد يحدث، مع ضرورة تحديث هذه الأنظمة باستمرار، كما انه ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة، يجب الاستثمار في البنية التحتية للبيانات.
الجدير بالذكر ان الدول العربية تعمل على مواكبة تطورات التكنولوجيا وبالتالي رأينا ان استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) في تقييم وإدارة الموارد المائية يشهد نموًا متسارعًا فيها نظرًا للتحديات المائية الكبيرة التي تواجهها المنطقة، مثل ندرة المياه، التغيرات المناخية، والطلب المتزايد، وبالتالي على سبيل المثال لا الحصر رأينا استخدام الذكاء الاصطناعي في دول مثل السعودية والإمارات وذلك في تقييم الموارد المائية، ورصد المياه الجوفية، وتتبع مستويات المياه الجوفية من خلال استخدام صور الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، مما يساعد في اكتشاف وجود أي استنزاف مبكرًا والتعامل معه في حينها، مع ملاحظة ان السعودية تستخدم أيضا نماذج الية ذكية لتحليل بيانات طبقات المياه الجوفية.
وكذلك تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في الأردن ولبنان في تقييم جودة المياه لتحليل عينات المياه واكتشاف الملوثات، خاصة في المناطق التي تعاني من تلوث الأنهار مثل نهر الليطاني في لبنان، كما تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي في المغرب وتونس في التنبؤ بظهور الجفاف، وفترات الجفاف المتوقعة بناءً على بيانات الطقس التاريخية والحالية، مما يساعد في وضع الخطط والإستراتيجيات المناسبة.
في القطاع الزراعي وإدارة الموارد المائية: تستخدم الإمارات الذكاء الاصطناعي في مشاريع الري الذكي كما في “مزرعتي” لتحسين الري في الزراعة العمودية والصحراوية، مما يقلل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 40%.، وفي الأردن هنالك أنظمة الري بالتنقيط المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتي تُستخدم لتوزيع المياه بدقة بناءً على احتياجات المحاصيل كما في وادي الأردن.
اما في مجال إدارة شبكات المياه: فنذكر ان قطر وعمان تستخدمان تقنيات الذكاء الاصطناعي للكشف عن التسريبات في شبكات المياه، مما يوفر كميات كبيرة من المياه في المناطق الحضرية، في حين ان السعودية أدخلت برامج وتطبيقات ذكاء اصطناعي في “رؤية 2030” لتحسين توزيع المياه في المدن الكبرى مثل الرياض وجدة. كذلك يُستخدم الذكاء الاصطناعي ونماذج التنبؤية في السعودية والإمارات، لتحسين كفاءة محطات التحلية، للتقليل من استهلاك الطاقة وتحسين إنتاج المياه.
اما في مجال إدارة الفيضانات فنرى ان عمان بدأت باستخدام الذكاء الاصطناعي بعد الأعاصير المتكررة مثل إعصار شاهين، وذلك لمحاكاة الفيضانات والتنبؤ بها، مما يساعد في رصد تحركات الفيضانات وتحسين الاستجابة وفي الوقت المناسب.
يواجه استخدام الذكاء الاصطناعي تحديات عديدة في الدول العربية تتفاوت بين نقص البيانات الدقيقة والمحدثة كما في العديد من دول العالم، بالإضافة الى الحاجة إلى تدريب الكوادر المحلية لتطوير وصيانة هذه الأنظمة بصفة دائمة مما يحد من فعالية الذكاء الاصطناعي احيانا، مع تحدي التكلفة والتمويل العالية التي تحتاجها برامج الذكاء الإصطناعي في ظل شح الموارد في بعض الدول.
يمكن بالطبع تخفيف بعض المعيقات من خلال المشاركة في المبادرات الإقليمية والدخول في شراكات دولية والتعاون مع منظمات مثل البنك الدولي أو شركات التكنولوجيا العالمية، وإنشاء مراكز إقليمية للذكاء الاصطناعي في إدارة المياه، مع تعزيز برامج التدريب في الجامعات العربية لتطوير خبراء محليين في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث ان لاستخدام الذكاء الاصطناعي مستقبل واعد واهمية في كل المجالات وليس فقط في قطاع الموارد المائية، ولا يمكن بالتالي تجاهله.

