عبود بن علي آل زاحم – خبير تدريب وتطوير
في عالم العمل المتسارع الذي تتقاطع فيه المصالح والطموحات والضغوطات، تبرز النميمة كأحد السلوكيات المنتشرة التي قد يتعامل معها البعض بخفة أو لا مبالاة، بينما يتعامل معها آخرون كوسيلة لكشف خبايا الأمور أو إظهار “حقيقة” ما تدور خلف الكواليس. لكن الحقيقة التي لا بد من مواجهتها بوعي ومهنية، أن النميمة ليست أداة لفضح الخطأ أو كشف الفساد، بقدر ما هي وسيلة لتأجيج التوترات، وزرع بذور الشك، وهدم الثقة بين الزملاء، وتدمير البيئة المهنية بشكل تدريجي قد لا يُلاحظ إلا بعد فوات الأوان.
من الناحية الأخلاقية والمهنية، النميمة تعني تناقل الأحاديث التي تخص الآخرين دون علمهم، وغالبًا ما تكون هذه الأحاديث مشوهة أو ناقصة أو منقولة بدافع شخصي، مما يجعلها أبعد ما تكون عن الحقيقة الكاملة. كثير ممن يمارسون النميمة لا يسعون إلى توضيح الحقائق بقدر ما يسعون إلى إثبات وجهة نظرهم، أو تفريغ مشاعر الغضب والاحتقان، أو لفت الانتباه لأنفسهم. وما يُشاع من أن “النميمة أحيانًا تكشف ما لا يقال رسميًا” لا يعطيها المشروعية، بل يكشف ضعفًا في ثقافة التواصل داخل المنظمة، ويضعف قدرة القيادة على الاستماع والشفافية.
وقد يظن البعض أن النميمة تُقرّبهم من أصحاب القرار، أو تُظهرهم كمن يحرص على المصلحة العامة، لكن الحقيقة أن أثرها كالسُمّ الذي يسري بهدوء في جسد الفريق. وفي هذا السياق، يُروى أن إحدى المؤسسات تعرضت لاضطراب شديد في العلاقات الداخلية بعد أن بدأ موظف يُدعى “……..” بنقل أحاديث خاصة من قسم إلى آخر، ظنًا منه أن ما يفعله نوع من الصراحة وكشف الحقائق. في البداية، ظن المدير أنه “عين يقظة”، لكن بعد فترة، تدهورت الثقة بين الزملاء، وازدادت الشكاوى والانسحابات، وتبين لاحقًا أن كثيرًا من المعلومات التي نقلها كانت إما غير دقيقة أو مفسّرة بشكل منحاز. النتيجة كانت بيئة مليئة بالتوجس، وتراجع واضح في الأداء. عندها فقط أدركت الإدارة أن من يريد كشف الحقيقة لا يهمس بها في المجالس، بل يطرحها بشجاعة عبر القنوات الرسمية، وبمسؤولية.
وليس غريبًا أن يُحذر النبي محمد صلى الله عليه وسلم من النميمة بقوله: “لا يدخل الجنة نمّام” [رواه مسلم]. فهذا التحذير لا يُقصد به فقط الآخرة، بل هو أيضًا دليل على أثر هذا السلوك في إفساد العلاقات، وخلخلة الثقة، وزرع الفتنة، سواء في المجتمع أو في بيئة العمل.
أما على صعيد التأثير، فالنميمة تخلق بيئة غير آمنة نفسيًا، يفقد فيها الموظف الثقة بزملائه، ويبدأ في مراقبة كلامه وتصرفاته خشية أن تُؤوَّل أو تُستغل ضده. وتتحول الاجتماعات واللقاءات إلى ساحة للصراع الخفي بدلًا من التعاون، وتكثر التفسيرات والاتهامات والتوجس. النميمة أيضًا تضر بمهنية المؤسسة أمام نفسها وأمام عملائها، فكلما زادت الأحاديث غير الرسمية، كلما ضعفت الثقة بالإدارة وبالعدالة التنظيمية، وكلما زادت نسبة المغادرة أو ضعف الانتماء لدى الموظفين الأكفاء.
ولا يقف الضرر عند ذلك، بل إن النميمة تقتل المبادرة، وتثبط الحماس، لأن الموظف الجاد سيتردد كثيرًا في المشاركة أو التعبير عن رأيه وهو يعلم أن هناك من قد “ينقل الكلام” أو يشكك في نواياه. حتى القادة أنفسهم، قد يصبحون أهدافًا لهذه الأحاديث المبطنة، مما يُفقدهم الهيبة والمصداقية، ويحولهم إلى طرف في دائرة مغلقة من القيل والقال، بدلًا من أن يكونوا حماة للعدالة وروّادًا في بناء بيئة عمل صحية.
لكن، إذا لم تكن النميمة وسيلة لكشف الحقيقة، فما السبيل إذًا؟ كيف يمكننا كأفراد وفرق وقيادات أن نُظهر الحقائق ونُعبّر عن مخاوفنا دون أن نسلك طريق النميمة؟ الحل يكمن في تعزيز ثقافة الحوار والمكاشفة البنّاءة. يجب على المؤسسات أن توفر قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن أي تجاوزات أو مظالم، وأن تبني آليات للتواصل الرسمي والتغذية الراجعة، بحيث لا يضطر أحد للجوء إلى الزوايا المظلمة ليُسمِع صوته. كما يجب تدريب الموظفين على مهارات الحوار، وفن النقد البنّاء، وكيفية تقديم الملاحظات بطريقة محترمة ومؤثرة. ويجب على القادة أن يكونوا قدوة في ذلك، بأن يُظهروا الاستماع الحقيقي، ويتعاملوا مع الشكاوى بجدية دون إصدار أحكام مسبقة، وأن يميزوا بين من ينقل ملاحظات بنّاءة ومن ينشر الشكوى بقصد التشويش أو التشويه. ولا بأس كذلك بأن تُعقد جلسات دورية لمراجعة أداء الإدارات ومدى التزامها بالقيم المؤسسية، ويُفتح فيها المجال للجميع للتعبير، دون خوف من التبعات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أكبر من أن تُقال همسًا، وأشرف من أن تُحمل على ألسنة لا تعرف الأمانة. النميمة ليست وسيلة لكشف النور، بل هي ستار يُخفيه ويُشوّهه. بيئة العمل التي نريدها ونستحقها هي بيئة عدالة ومصارحة، لا بيئة قلق وهمس. وكل منا مسؤول عن أن يكون جزءًا من الحل، لا من سلسلة التدهور الخفي.

