بندر بن عبدالله بن محمد
كنتُ ذات صباحٍ في حديثٍ عابرٍ مع طبيبٍ صديق، لم يكن اللقاء مهيّأً لموضوعٍ كبير، لكن الكلمات التي قالها جرّتني إلى دهشةٍ وتأملٍ عميقين.
سألته كما يسأل الصديق صديقه “كيف كان يومك؟ وأين كنت؟ فقد طالت غيبتك” ابتسم وقال” كنتُ منشغلاً بسلسلة عمليات في الركبة، والحمد لله كلها تكلّلت بالنجاح، لكن ما أزعجني ليس الطب، بل الناس”.
ثم أردف بضحكة ساخرة “تخيل، وأنا أشرح لإحدى المريضات عن حقنة تُستخدم في مفصل الركبة، وتُدعى(stem cell injection) قاطعتني قائلة: لماذا لا تستخدم الليزر عوضاً عن هذه الطريقة” قالها وهو يهزّ رأسه “المضحك أن بعض المرضى يظنون الليزر مثل العصا السحرية! والحقيقة أن الليزر في هذا السياق لا يرى موضع الإبرة، لكنه يمنح المريض إحساسًا بالراحة، وهذا كل ما يريدونه الإحساس، لا النتيجة!” لكن ما قاله بعد ذلك لم يكن مضحكًا، بل صادمًا “تصدق؟ دخلت غرفة عمليات يوم، ووجدت بعض الممرضين يشربون القهوة داخل غرفة العمليات” قالها وعيناه ممتلئتان بالغضب “في غرفة يُفترض أن تكون معقمة، تجد من يتعامل معها كأنها استراحة موظفين، هذه ليست حالات فردية، بل جزء من تهاون يتكرر”.
توقفتُ قليلًا قلت له ” أليست الرقابة صارمة؟”.
أجابني بهدوء الطبيب الذي رأى كثيرًا “المرضى لا يرون ما نراه نحن، نحن نرى من الداخل المستشفيات الخاصة تسعى إلى الربح، فتُقلّص التكاليف بجلب أطباء وممرضين بأقل الرواتب، وغالبًا من جنسيات غير مؤهلة تمامًا هناك مثل إنجليزي يقول في تقليل المصاريف ( they cut corners) يختصرون الطريق،حتى لو على حساب الجودة وسلامة المريض ”
وسكتَ قليلًا، ثم أردف “هناك مدربين تأمين صحي، مكاتبهم منتشرة، ويساعدون الناس في تسجيل مطالباتهم، وهذا جيد، لكن من يراقب الجودة الطبية؟ من يضمن أن المريض يتلقى الجودة المطلوبة من الممرضين والدكاترة قليلي الدخل؟ أم أنه أرخص أو أسهل للمستشفى؟”.
ثم التفت إليّ، وسألني “هل تعتقد أن السعودة في القطاع الصحي تُطبّق بحكمة؟”.
قلت “أعتقد أن هناك قطاعات لا بد أن تركز على الكفاءة أولا، ثم التوطين لاحقًا، وأهمها التعليم والصحة”.
هزّ رأسه موافقًا، وقال “بالضبط لا مانع أن يكون الطبيب أو الممرض سعوديًّا، بل هذا مطلب نبيل، لكن لا تجعل الوطنية غطاءً على ضعف الكفاءة، نحن نتعامل مع أرواح، لا مع مبيعات أو أوراق”.
خرجتُ من ذلك اللقاء، وأنا أفكر، نحن في بلد عظيم، والاستثمار في الصحة فيه بالغ الأهمية،لكننا بحاجة إلى نظرة مختلفة نحتاج إلى وعي مجتمعي يُقدّر التخصص ويُحسن الاستماع لأهل الطب، ويُطالب بالجودة كما يطالب بالمجاني، الصحة ليست ترفاً، لا يجب أن تُدار كأنها مشروع ربح فقط، إنها أمانة في أعناق الجميع.

