عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
عضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في صمتٍ لا يسمعه أحد، تغادر الكفاءات بيئة العمل واحدة تلو الأخرى… ليس بسبب قلة العطاء، بل لكثرة التجاهل، وسطوة المحسوبية، وتآكل العدالة.
هذا المقال يسلّط الضوء على الظاهرة الأكثر خطورة على المنظمات من الداخل: تهميش المتميزين، وتمكين المقرّبين، وترك الجدارة تنزف دون إنصاف.
نزيف الكفاءة الصامت هو ما تعانيه كثير من المنظمات دون أن تدرك سببه الحقيقي. إنه النزيف الذي لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يُفقد المؤسسة طاقتها الحقيقية، ويُضعف بنيتها من الداخل. وراء هذا النزيف غالبًا ما تقف المحسوبية، وهي العدو الصامت لكل بيئة تسعى للعدالة، ولكل مؤسسة تطمح إلى التميز.
في بيئات العمل الحديثة، يُفترض أن تكون العدالة والكفاءة أساسًا لتوزيع الفرص، وتقدير الجهود، وتمكين أصحاب الإنجاز. غير أن بعض البيئات لا تزال ترزح تحت تأثير العلاقات الشخصية، والقرابة، والمجاملة، فتُقصى الكفاءات، وتُمنح الفرص لغير المستحقين، ويُصاب الموظف المجتهد بخيبة أمل تتكرر كلما رأى الإنجاز يُهمّش، والانتماء يُقابَل بالإقصاء.
المحسوبية ليست فقط تفضيلًا غير عادل، بل هي قرار إداري ينحاز للعاطفة على حساب المهنية. إنها سلوك يُهدر الوقت والموارد، ويحول بيئة العمل إلى ساحة مجاملات لا تؤمن بالمعايير، ولا تُنصف المتميزين. إنها تُطفئ شعلة الطموح، وتزرع في النفوس شعورًا بعدم الجدوى، حيث لا قيمة للبذل إذا كانت النتائج محسومة سلفًا.
وحين تسود المحسوبية، لا يبقى الإبداع في مكانه طويلًا، ولا الكفاءة تواصل العطاء. تبدأ رحلة الهجرة الصامتة للعقول، حيث يفكر المتميز في الرحيل، أو يختار الصمت والانسحاب الداخلي، ليعمل بلا حماس، فقط لأداء الواجب. وهكذا، يبدأ نزيف الكفاءات، وتبدأ المنظمة في خسارة أعظم أصولها: الإنسان القادر على التغيير.
التسرب الوظيفي ليس دائمًا بسبب الراتب، بل كثيرًا ما يكون بسبب الشعور بعدم العدالة، وعدم تكافؤ الفرص. المحسوبية لا تُقصي الأفراد فقط، بل تُقصي معهم الإبداع، والتفكير النقدي، والروح التنافسية التي تُنعش بيئة العمل وتبني مستقبل المؤسسة. وهي لا تترك أثرًا في ملفات الأداء، بل في النفوس التي فقدت شغفها، والقلوب التي لم تجد التقدير الذي تستحقه.
المؤسسات الناجحة هي التي تُحسن اكتشاف هذا النزيف مبكرًا، وتتخذ موقفًا حازمًا من كل مظاهر التفضيل غير المهني. وهي التي تزرع في إداراتها ثقافة تقول إن القرب لا يُبرر الفرص، وإن الإنجاز وحده هو معيار التقدم. ونحن بحاجة إلى بناء بيئات تُدار بالعدالة لا بالولاءات، وتُمنح فيها الفرص لا بالصلة، بل بالاستحقاق.
وللخروج من هذا النفق، تحتاج المؤسسات إلى حلول واقعية تبدأ بوضع سياسات واضحة للشفافية في التعيينات والترقيات، مرورًا بتفعيل أنظمة تقييم موضوعية قائمة على الأداء، وتكثيف برامج إعداد القادة الإداريين على مبادئ الحوكمة والعدالة التنظيمية، وتقديم حماية للموظفين من آثار التمييز المؤسسي. كما لا بد من قياس مستوى الرضا الوظيفي بانتظام، ومراقبة معدلات تسرب الكفاءات كمؤشر صحي حقيقي عن جودة البيئة المهنية.
المحسوبية ليست خطأ إداريًا عابرًا، بل ثقافة سلبية إذا لم تُكافح، تسقط معها القيم والنتائج والكوادر.
فلا يُهدم جدار الموهبة دفعة واحدة… بل يتساقط طوبةً طوبة، كلما ارتفعت يد المحسوبية.

