د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
في عالمٍ يُقاس فيه الاحتجاج بالمظاهرات واللافتات، يبدو أن وضع اليدين في الجيوب قد يكون أقوى من أي هتاف.
هذا ما حدث في إحدى المناسبات الملكية حين وُثق لقاء بين الأمير هاري وبعض الشخصيات الأيرلندية، أبرزهم سيلفان مورفي ورونان أوجارا. الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم أظهر تصرفات بسيطة، لكنها مشحونة برمزية تاريخية جارحة: الوقوف دون حماسة، الأيدي في الجيوب، والعيون التي لا تبتسم. البعض عدّها قلة ذوق، وآخرون رأوا فيها احتجاجاً صامتاً ضد إرث بريطاني ثقيل لا يزال يُثقل الروح الأيرلندية رغم مرور عقود على الاستقلال.
أيرلندا وبريطانيا ليستا مجرد جارتين تفصل بينهما بضعة أميال بحرية؛ هما جراحٌ مفتوحة لم تُشفَ بعد. الصراع بين الطرفين ليس وليد الأمس، بل يمتد إلى قرون من الاحتلال، التهجير، القمع، والهيمنة السياسية.
أيرلندا كانت لزمن طويل تحت سيطرة التاج البريطاني، وما بين محاولات طمس الهوية القومية وفرض اللغة الإنكليزية وتعليق أعناق المقاومين، تكوّنت ذاكرة أيرلندية حافلة بالدموع والرصاص.
في عشرينيات القرن العشرين، اندلعت حرب الاستقلال الأيرلندية التي أنهت الحكم البريطاني المباشر عن الجزء الأكبر من الجزيرة، لكنها خلفت وراءها واقعاً منقسماً بين جمهورية أيرلندا الحرة وشمال أيرلندا الذي بقي تحت سيطرة المملكة المتحدة، لتظل الوحدة القومية حلماً مؤجلاً.
تاريخ العنف طويل. أحداث (الأحد الدامي) في ديري عام 1972 لا تزال محفورة في ذاكرة الأجيال، حين فتحت قوات بريطانية النار على متظاهرين سلميين مؤيدين للحقوق المدنية، فسقط أربعة عشر قتيلاً. هذه الجريمة تحوّلت إلى رمز للفجوة العميقة التي تفصل الشعب الأيرلندي عن المؤسسة الملكية البريطانية.
ومنذ ذلك الحين، كل إيماءة، كل مصافحة، كل ظهور علني لأحد أفراد العائلة الملكية في أي جزء من أيرلندا يحمل في طياته شحنة عاطفية وموقفاً سياسياً غير معلن. ليست المسألة محض بروتوكول… إنها مسألة ذاكرة وهوية.
رغم اتفاقية الجمعة العظيمة في عام 1998 التي أنهت عقوداً من الصراع المسلح في أيرلندا الشمالية، لم تُمحَ آثار الماضي بالكامل.
ما زالت الجدران تفصل بين الأحياء الكاثوليكية والبروتستانتية، وما زالت الأعلام تُرفع ليس تعبيراً عن الانتماء فحسب، بل كتذكير بالقهر أو بالتفوق، حسب الجهة التي ترفعها.
أما زيارة أفراد العائلة الملكية البريطانية إلى أراضي الجمهورية الأيرلندية، فهي لا تمر دون تأويلات، وحتى الابتسامات فيها تُفكك كما تُفكك الرموز القديمة في نصوص مشفّرة.
عودةً إلى سيلفان مورفي ورونان أوجارا. هل كانت تصرفاتهما فعلاً احتجاجاً؟ هل تعمّد أحدهما الوقوف بلا مبالاة كتعبير عن موقف سياسي؟ ربما لا نملك تأكيداً مباشراً، لكن الذاكرة الجمعية لا تحتاج إلى تصريح.
في المجتمعات التي عانت من الاستعمار، كل تفصيلة تتحول إلى لافتة، وكل سلوك يُقرأ من خلال عدسة الوجع الوطني. وما فعله مورفي (إن صحّت النوايا) ليس سوى امتداد لخط من الاحتجاجات الرمزية الأيرلندية التي بدأت منذ قرون، من رفض الاعتراف بالعلم البريطاني إلى إحراق صور الملكة في الشوارع، وانتهاءً بعدم خلع القبعة عند مرور الموكب الملكي.
لكن وسط هذا الرماد المتراكم، تبرز أسئلة عن المستقبل. هل يمكن أن تكون العلاقات بين أيرلندا وبريطانيا أكثر دفئاً في العقود القادمة؟ وهل ستموت هذه الذاكرة الجماعية الحارقة مع الأجيال الجديدة التي لم تعش الاحتلال بل وُلدت في زمن السلام؟ الجواب ليس بسيطاً، المشاعر القومية لا تُمحى بسهولة، خاصة في ظل وجود ملفات عالقة كالوحدة الأيرلندية، وحقوق الهوية الثقافية والدينية في الشمال، وتصاعد النزعات الاستقلالية بعد البريكست الذي أعاد فتح جراح الحدود بين الشطرين.
من جهة أخرى، ثمة نضج سياسي في الخطاب الأيرلندي الرسمي، حيث تسعى الحكومة الأيرلندية إلى علاقات متزنة مع لندن، وتحاول تجنيب البلاد أي انزلاق نحو العنف أو التوتر. وقد تجلى ذلك في التعامل مع زيارات الملكة إليزابيث والأمير تشارلز سابقاً، حيث طغت البروتوكولات الودية رغم بعض الاعتراضات الشعبية. كما أن التعاون الاقتصادي بين البلدين لا يمكن إنكاره، وخاصة في ظل التحديات العالمية الجديدة التي تحتاج إلى شراكات إقليمية قوية.
ومع ذلك، فإن أي تقارب حقيقي بين الشعبين يتطلب ما هو أعمق من الصفقات التجارية أو المجاملات البروتوكولية. يتطلب اعترافًا واضحاً بالماضي، واعتذاراً صريحاً (لا مجرد إيحاءات) عن الجرائم التي ارتُكبت في ظل الإمبراطورية. يحتاج إلى أن ترى أيرلندا نفسها على قدم المساواة مع بريطانيا، لا كمستعمَرة سابقة تُعامل بلطف من أجل العلاقات العامة. وقبل أن تنتهي رمزية (الأيدي في الجيوب)، يجب أن تنتهي الهيمنة الرمزية التي لا تزال تظهر في كل مرة يُنصّب فيها ملك بريطاني دون ذكر لماضيه في أيرلندا.
إن اليدين في الجيوب ليستا فعلاً عابراً، بل استفتاءً صامتاً على الماضي والحاضر. وفي هذا الصمت، نقرأ جراحاً لم تُغلق بعد، وهوية لا تزال تقاوم. الاستقلال لا يكون فقط بخروج الجيوش، بل بتحرر الذاكرة من الهيمنة. وحتى ذلك الحين، سيظل كل لقاء ملكي محفوفًا بالألغام الرمزية، وكل إيماءة محسوبة، وكل يد في الجيب عنواناً صغيراً لثورة لم تكتمل.

