بندر بن عبدالله بن محمد
تُعد مفردة “القلب” من أكثر الألفاظ تداولًا في القرآن الكريم، حيث وردت في سياقات متعددة ترتبط بالهداية والضلال، والفهم والزيغ، والإيمان والنفاق.
ويوظف القرآن هذا اللفظ بوصفه أكثر من مجرد عضو جسدي؛ إذ يظهر كأداة للفهم والتمييز والإدراك، لا كمضخة للدم كما هو الحال في التوصيف البيولوجي المعاصر.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفهوم “القلب” في القرآن الكريم، واستكشاف أبعاده المعرفية والروحية، وعلاقته بمفهوم “الصدر”، مع بيان الفروق بين التصور القرآني للوعي الإنساني وبين الرؤية المادية الحديثة.
أولًا: القلب في القرآن الكريم – بين العضوية والوظيفة المعنوية
يرد ذكر “القلب” في القرآن الكريم في مواضع عديدة تُنسب إليه أعمال عقلية وفكرية.
في قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ (الأعراف: 179)، تُسند إلى القلوب هنا وظيفة الفقه، مما يدل على أن القلب ليس مجرد عضو مادي، بل مركز للإدراك الواعي والتمييز.
وهذا ما يؤكده الراغب الأصفهاني في قوله: “القلب يُعبر به عن العقل تارة، وعن الروح تارة، وعن النفس تارة، بحسب السياق” (مفردات ألفاظ القرآن، مادة “قلب”).
ويعلّق الطبري على الآية السابقة بقوله: “جعل لهم قلوبًا يعقلون بها، فتركوها وعطلوا عملها، فعوقبوا بأن سُلبوا نفعها” (جامع البيان، تفسير الأعراف: 179).
وعليه فإن الفقه المنسوب إلى القلب هو إدراك عميق ومتفاعل، وليس مجرد حفظ أو سماع.
ثانيًا: القلب والعقل في القرآن – وحدة الوظيفة وتعدد التسمية
لا يقدم القرآن ثنائية صارمة بين العقل والقلب، بل يقدمهما بوصفهما عنصرين متكاملين في العملية الإدراكية. فالقلب هو الذي يُنسب إليه التدبر، البصيرة، الوعي، والحكم على الأمور.
من أبرز الآيات في هذا السياق:
• ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (محمد: 24): التدبر يُسند إلى القلب، لا إلى الذهن وحده.
• ﴿إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج: 46): العمى هنا بصري معنوي، والقلب هو موضع البصيرة.
• ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق: 37): يعلّق ابن عاشور على الآية الأخيرة بقوله: “القلب هنا يُراد به القوة العاقلة المدركة للحقائق، لا العضو المحسوس” (التحرير والتنوير، تفسير سورة ق: 37).
وهذا يؤكد أن “القلب” في القرآن هو وعي باطني وإدراك عميق لا يحدّه الدماغ وحده.
ثالثًا: الصدر في القرآن الكريم – الفضاء الداخلي للنية والموقف
يرتبط “الصدر” في الخطاب القرآني بالانشراح أو الضيق، بالكبر أو الزيغ، بالخوف أو الطمأنينة. فهو ليست جوًّا أو عضوًا فقط، بل فضاء داخلي تتفاعل فيه مشاعر الإنسان ونواياه ومواقفه الفكرية.
من ذلك:
• ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ (غافر: 56): يجعل الكِبر موضعه الصدر، لا العقل.
• ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (الزمر: 22): الصدر هنا موضع قبول النور الإلهي، أي الهداية والاطمئنان.
• ﴿الذين في صدورهم زيغ﴾ (آل عمران: 7): الزيغ انحراف في القصد والاعتقاد، وليس في الفهم الحسي.
• ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ (الأعراف: 43): الصدر وعاء المشاعر الباطنة من غل أو صفاء.
وفي تفسير الطبري لقوله تعالى: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ (طه: 25)، قال: “أي وسّعه لقبول ما أُمرت به”، ما يؤكد أن الصدر في الخطاب الإلهي مرتبط بالاستعداد العقلي والروحي، لا بالعضو الظاهر.
رابعًا: الصدر في لسان العرب – مقدّمة لتجويف يعزز المعنى الرمزي
يعزز الشعر العربي هذا المعنى الرمزي لكلمة “الصدر”، إذ نجدها كثيرًا ما تُستخدم للدلالة على المقام الأعلى أو الموقع القيادي.
ومن ذلك قول الشاعر:
لنا الصدر دون العالمين أو القبر
أي لنا المقدّمة والمقام الأعلى دون الناس، أو الفناء.
وهذا الاستخدام الأدبي يتسق مع الاستعمال القرآني، حيث يكون “الصدر” رمزًا للريادة والمواجهة الداخلية مع الحقائق والمهام، لا العضو الفيزيائي فحسب.
الخاتمة
يظهر من خلال هذه الدراسة أن “القلب” في الخطاب القرآني ليس عضوًا ماديًا خالصًا، بل هو رمز وإشارة إلى مركز الوعي الباطني، والإدراك العميق، ومحَل الفقه والبصيرة.
كما أن “الصدر” ليس حيّزًا جسديًا فقط، بل مجال معنوي تُعالج فيه النوايا والمواقف، وتترسخ فيه معاني الهداية أو الزيغ.
وهذا التصور القرآني يعيد الاعتبار للبعد الروحي والعقلي المركب في تكوين الإنسان، في مقابل النزعة المادية الحديثة التي تختزل الإنسان في آلياته الجسدية ووظائفه العصبية.
المصادر والمراجع
• الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق.
• الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، دار هجر، القاهرة.
• ابن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس.

