وليد بن خالد الدلبحي
مستشار قانوني
في رحاب المملكة العربية السعودية، حيث تتجلى عظمةُ التاريخ وعمق الأصالة، يبرز المشهد القانوني بخصوصية فريدة، مستمداً جوهره من الشريعة الإسلامية الغراء، إن هذه الخصوصية لسيت مجرد سمةٍ شكليةٍ، بل هي تجسيدٌ لعمقٍ فلسفي يربط القانون بالشريعة الإسلامية، ويجعله أداةً لتحقيق المقاصد الشرعية في حفظ الضروريات الخمس، إن التفكير القانوني لا يقتصر على فهم النصوص وتطبيقها، بل يتعداها إلى استيعاب روح الشريعة ومقاصدها، والقدرة على استنباط الأحكام بما يتوافق مع مستجدات العصر، دون المساس بالثوابت.
ومن هذا السياق فإن تكوين العقلية القانونية لا يكون إلا بقدر من الوعي المتين، والتأمل في مرامي النصوص، وإدراك لمبدأ “تحقيق المناط”، الذي به يتم وصل الاجتهاد بحياة الناس، وتحويل النص من صورةٍ ذهنيةٍ إلى وظيفةٍ اجتماعيةٍ.
فهم النصوص القانونية من الحرف إلى المقصد
إن جوهر التفكير القانوني لا يكمن في التشبث بحرفية النص فحسب، بل في الغوص عميقاً في معانيه، واستكشاف مقاصده، فالنص يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الكلمات الظاهرة، وتتطلب بصيرةً نافذةً وفهماً ثاقباً، يقول الإمام ابن القيم: “والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى، التي هي آخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختصُّ به الراسخون في العلم”، وهذا يؤكد أن الفقه، وهو فهم النصوص الشرعية، ليس مجرد حفظٍ، بل هو إدراكٌ للمقاصد والغايات، إن الفقيه الحق من يدرك أن لكل نصٍ روحاً، وأن لكل كلمةٍ دلالةً تتجاوز معناها اللغوي المباشر، وأن السياق والمآل يلعبان دوراً حاسماً في فهم المراد.
وفي هذا يتجلى التفاعل بين ظاهر النص وباطنه، بين منطوقه ومفهومه، بين حكمه ومآله، وهي أدوات فكرية لا يكتسبها طالب القانون إلا بالمران العقلي المستمر، والتدرب على تأويل النصوص على ضوء الوقائع المتغيرةٍ دون الإخلال بالأصول.
العقل الجدلي القانوني
القانون ليس مجرد مجموعة من القواعد الجامدة بل هو ساحة فسيحة للجدل البناء، وميدانٌ رحب لإقامة الحجج ودحضها، فالعقلية الفذة هي تلك التي تملك ناصية الجدل، وتتقن فن المناظرة، وتستطيع أن تبني حجتها على أسس راسخة من المنطق والبرهان، يقول الدكتور عبدالرزاق السنهوري: ” فتلك سنة العقل البشرى، لا يقيم على خطة واحدة من النظر، فهو لا يستطيع أن يستوعب الحقائق مطلقة، ويدرك اليوم ما لم يكن بقادر على إدراكه بالأمس”، فالعقل البشري متفاعل إذا أستغل، وقادر إذا أعطي القدر المناسب من الفاعلية، وإن بناء الحجج والبراهين مهمة عقلية تقوم على العلم والذكاء والفطنة، فليس الانتصار لمن يصرخ أكثر، بل لمن يُحسن بناء الحجة واستحضار الدليل، والإقناع بالعقل والمنطق.
العقل الجدلي القانوني يستمد قوته من بناء الحجج ودحضها، وقد أدرك علماء الأصول منذ قرون أهمية الجدل المقيد بالحق، فقال أبو المعالي الجويني: “فتكون المناظرة منزَّلةً على معنى الأحكام في تبيين ما يصير إليه كل واحد من الخصمين، ثم يكون النزاع بين الخصمين مرة في الحكم، وأخرى في علة الحكم، والمناظرةُ بينهما في الأمرين صحيحة”، فالعقل القانوني الجدلي إنما هو عقل مسؤول، لا يروم الغلبة، بل الانكشاف عن وجه الحق.
الصياغة القانونية
ليست الصياغة القانونية مجرد ترتيب للكلمات، بل هي فن رفيع يجمع بين البلاغة والإحكام، بين رشاقة الأسلوب ودقة المعنى، إنها أشبه ما تكون بالنحت في الصخر، حيث لا مجال للزيادة أو النقصان، ولا مساحة للغموض أو اللبس، وقد قيل: “الكتابة القانونية فن قول الكثير بالقليل، لا القليل بالكثير”، كل كلمة تحمل عبءً قانونياً، وكل فاصلة قد تغير وجه الدعوى، لهذا كانت الصياغة الدقيقة ضمانة للعدالة، وتحصينا ضد التحايل، فكل كلمةٍ تحمل وزنها، وكل عبارةٍ تؤدي غرضها بدقة متناهية.
إن العقلية القانونية المتميزة هي التي تدرك أن الصياغة الركيكة قد تهدر الحقوق، وأن العبارة المبهمة قد تفتح أبواباً للتأويلات المتضاربة، مما يقوض العدالة ويزعزع الثقة في النظام القانوني، قال الشيخ محمد أبو زهرة: “نقد القانون، وتمحيص أحكامه، ووزنها وزناً دقيقاً بالأصول الفقهية، والغايات المصلحية، والنتائج المترتبة على الأخذ بأحكامه، وتعميمها في الأمر، وبيان حسن العقبى، أو سوئها”، فالصياغة ليست ترفاً بل التزامٌ بفن القول وعدل الحكم.
الثقافة القانونية والمرجعية الشرعية
إن التحليل القانوني لا يكتمل إلا بتعمق في الثقافة القانونية الواسعة، التي تتجاوز حدود التخصص الضيق لتشمل فهما دقيقاً لتاريخ القانون وفلسفته وأصوله، وتحولاته، وأبعاده الاجتماعية، والاقتصادية.
وفي سياق المملكة العربية السعودية تكتسب هذه الثقافة بعداً إضافياً يتمثل في المرجعية الشرعية، التي تعد الأساس الذي تقوم عليه جميع التشريعات، يقول الإمام مالك: “لا ينبغي للعالم ان يتكلم بالعلم عند من لا يطيقه؛ فإنه ذل وإهانة للعلم”، وهذا ينطبق على القانون إذ لا فضل لعقل قانوني لا يستضيء بنور الشريعة، ولا يسعى لتحقيق المصلحة المعتبرة في كل حكم وفصل.
ختاماً
إن تكوين العقلية القانونية ليس مجرد عملية تعليمية تقتصر على تلقين المعارف وحفظ النصوص، بل هو مسار تكويني عميق، يتطلب صقلاً مستمراً للمواهب، وتنميةً دائمةً للملكاتِ الفكرية، وغرساً راسخاً للقيم الأخلاقية.
إنه تحول من مجرد طالب علم إلى قانوني محنك، يمتلك بصيرة نفاذة، وفكراً نقدياً، وضميراً حياً، فالعقلية القانونية الحقة هي التي تدرك أن القانون ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ لتحقيق العدالة والإنصاف، وإرساء دعائم الحق والفضيلة في المجتمع.
فلتكن غايتنا تكوين قانوني يفكر كما يُحاكم، ويحكم كما يتأمل، ويصيغ كما يُدافع عن الحق، ويعرف أن نصوص القانون لا تحيا إلا في ضمير حي، وعقل مستنير.

