على مدى أكثر من عقدين، شكّلت الهند ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه آسيا، بل وأصبحت في صلب الرؤية الأمريكية للعالم.
هذه العلاقة قامت على مبدأ غير معلن من “الإيثار الاستراتيجي”، حيث رأت واشنطن في صعود الهند فرصة لا تهديدًا، واستثمرت في قوتها ونفوذها دون انتظار مقابل مباشر. لكن هذا النهج يبدو مهددًا في ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث بات من الواضح أن الشراكة ستُعاد صياغتها على أسس مختلفة.
رهان أميركي طويل الأجل
منذ إدارة جورج بوش الإبن، تعاملت الولايات المتحدة مع صعود الهند كاستثمار استراتيجي طويل الأجل. رأت واشنطن أن دعم الهند اقتصاديًا وعسكريًا ودبلوماسيًا سيخدم مصالحها على المدى البعيد، من خلال موازنة نفوذ الصين وتثبيت الديمقراطية في آسيا.

فلم تسعَ الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تحقيق مكاسب فورية، بل كانت تراهن على أن هندًا قوية ستكون حليفًا طبيعيًا للنظام الدولي القائم على القواعد.
اتفاقات تاريخية
الاتفاق النووي المدني الذي أُبرم عام 2005، وتعزيز التعاون الأمني في إطار التحالف الرباعي (Quad) الذي يضم الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان، إضافة إلى توسيع الشراكة في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة، واستكشاف الفضاء، هي مجالات تطورت بشكل ملحوظ خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
على الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى حافظ على نغمة إيجابية تجاه الهند، إلا أن الظروف كانت مختلفة حينها، من تفشي جائحة كورونا إلى الاعتبارات الداخلية في إدارته.
أما في ولايته الثانية، فإن “أمريكا أولًا” تحوّلت إلى فلسفة أكثر تشددًا تتعامل مع العلاقات الخارجية كصفقات تجارية بحتة. الإدارة الحالية لم تعد ترى الهند شريكًا استراتيجيًا بذاته، بل شريكًا يجب أن يقدم تنازلات ملموسة في مجالات مثل التجارة والدفاع والطاقة. وهنا، يبرز تحول في المعادلة: الهند، وليس واشنطن، هي من يُطلب منها الآن أن تمارس “الإيثار الاستراتيجي”.
السياسة الأمريكية تجاه الصين
من المثير للقلق أن إدارة ترامب الثانية لا تملك رؤية واضحة تجاه الصين. في واشنطن، تتنافس عدة تيارات داخل البيت الأبيض بين من يريد التهدئة مع بكين، ومن يطالب بالمواجهة الصريحة، ومن يسعى لصفقة شخصية مع شي جين بينج. هذا التردد يربك حسابات الهند، التي كانت ترى في واشنطن شريكًا ثابتًا في احتواء الطموح الصيني.
ضغوط مباشرة على الهند
تواجه الهند في عهد الإدارة الأمريكية الحالية ضغوطًا مباشرة في ثلاثة ملفات استراتيجية. أولها ملف التجارة والتعريفات الجمركية، حيث هددت واشنطن بفرض رسوم تصل إلى 26% ما لم تُقدّم نيودلهي تنازلات كبيرة في سوقها المحلي، في حين يعمل الطرفان على إبرام اتفاق تجاري مبدئي يُتوقع الكشف عنه قبيل قمة الرباعية المقبلة.
أما ثاني الملفات فهو صفقات السلاح، إذ تحث الولايات المتحدة الهند على زيادة مشترياتها من الأسلحة الأمريكية، بما فيها طائرات الشبح F-35، رغم استمرار اعتماد نيودلهي على وارداتها من روسيا وفرنسا وارتفاع تكلفة الأسلحة الأميركية. ويبرز ملف الطاقة والنووي المدني كأولوية ثالثة، حيث تدفع واشنطن باتجاه توسيع صادراتها من الغاز والنفط إلى الهند، وتطالب بتعديل قوانين المسؤولية النووية لتسهيل دخول الاستثمارات الأميركية في قطاع الطاقة النووية الهندي.
الهند في اختبار مزدوج
الهند، التي بنت سياستها الخارجية على مبدأ “الاستقلالية الإستراتيجية”، تجد نفسها اليوم أمام خيار صعب: إما تقديم تنازلات مرحلية لإدارة أمريكية متقلبة، أو المخاطرة بتدهور العلاقة مع أهم شريك غربي لها في مواجهة الصين.
العلاقة الأمريكية الهندية لم تعد كما كانت. من شراكة قائمة على الثقة والتقارب الاستراتيجي، إلى علاقة تُدار بمنطق الربح والخسارة. على الهند أن تتكيّف، لكن دون أن تُفرّط بمبادئها ومصالحها طويلة الأمد.

