عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في كثير من بيئات العمل، يُنظر إلى المساعدة المتبادلة بين الزملاء باعتبارها من أبرز مؤشرات الصحة التنظيمية، وتُروّج المؤسسات لثقافة التعاون والدعم وكأنها ضمانٌ لجودة الأداء ورضا الموظفين. بل تُمنح المكافآت والتقديرات أحيانًا لأولئك الذين يُعرفون بروح الفريق والاستعداد لمد يد العون. لكن ماذا لو كانت هذه “المساعدة” تفقد معناها؟ ماذا لو باتت شكلية، أو أسوأ من ذلك: مضللة، مرهقة، وغير مجدية؟
هذا ليس مجرد افتراض. ففي دراسة طويلة الأمد أُجريت داخل شركة استشارية عالمية، توصل الباحثون إلى نتيجة مفاجئة: نسبة كبيرة من الموظفين الذين يعملون في بيئة يفترض أنها “تعاونية”، عبّروا عن أن المساعدات التي يتلقونها غالبًا ما تكون غير مفيدة أو غير موجهة بالشكل الصحيح. وقد أرجعوا ذلك إلى أسباب عدة، من أبرزها غموض الطلبات، وغياب الأمان النفسي، والميل إلى المجاملة على حساب الصراحة.
حين يُطلب الدعم دون وضوح، فإن النتائج تكون أقرب إلى التخمين منها إلى الحلول. الموظف قد يقول “أحتاج مساعدة في العرض التقديمي” بينما ما يعانيه فعلًا هو صعوبة في تحليل البيانات. وحين يتلقى “مساعدة” لا تعالج جوهر مشكلته، فإنه يشعر بخيبة أمل – وربما يتردد في طلب الدعم مرة أخرى. ويتفاقم الأمر حين يُشعر الموظف بأن طلبه للمساعدة قد يُفسَّر كضعف أو نقص في الكفاءة، فيختار أن يواجه التحديات وحيدًا، ولو على حساب جودة المخرجات أو صحته النفسية.
في المقابل، فإن زميله الذي بادر بالمساعدة – بدافع حسن النية – قد يغادر اللقاء معتقدًا أنه قدّم قيمة مضافة، بينما في الواقع لم يُحدث فرقًا يُذكر. هذا الخلل في توازن التوقعات والنتائج يخلق دائرة صامتة من الدعم غير المنتج، حيث يبدو كل شيء “لطيفًا” من الخارج، بينما يخفي الداخل فجوات في الفهم، وسوء في التواصل، وانعدامًا للمساءلة.
الأدهى من ذلك أن هذه الظواهر لا تظهر غالبًا في مؤشرات الأداء أو تقييمات الرضا الوظيفي، لأنها تتخفى تحت مظلة “روح الفريق”. لكنها مع الوقت تُضعف الكفاءة، وتؤسس لثقافة سطحية لا تُكافئ الصراحة، بل تفضّل التهذيب المفرط على المواجهة البنّاءة.
إن ما نحتاج إليه ليس فقط أن نعلّم الموظف كيف يساعد غيره، بل كيف يطلب المساعدة بالشكل الصحيح. أن يُشجَّع على تسمية مشكلته دون خجل، أن يشعر بالأمان حين يقول “لا أعرف”، وأن يرى أن الاعتراف بالحاجة للدعم هو بداية النضج المهني لا نهايته.
كما أن شكر الزميل على دعمه لا ينبغي أن يكون مجرد “شكراً” في رسالة بريدية، بل بإشراكه في الأثر، بإخباره كيف ساعد تدخله في تحسين النتيجة أو تسريع الإنجاز أو تفادي خطأ. حين يرى الموظف أن جهده مثمّن فعليًا، فإنه يصبح أكثر استعدادًا لتكرار المساهمة، ليس بدافع الواجب، بل بدافع القيمة.
في النهاية، المساعدة ليست شعارًا تنظيميًا ولا نشاطًا اجتماعيًا في ردهات المكاتب. إنها مهارة، وثقافة، ومسؤولية تحتاج إلى هندسة جديدة تعترف بأن النوايا الطيبة لا تكفي. نحتاج إلى أن نتحدث بوضوح، وندعم بذكاء، ونُقدّر بصدق. فقط حينها تصبح المساعدة في بيئة العمل ما يفترض أن تكونه: رافعة حقيقية للإنجاز، لا عبئًا مموّهًا بلغة المجاملة.

