د. سلطان بن مرزوق الحربي
أستاذ القانون
الجامعة السعودية بجدة
إلى أي حدّ يمكن للفقير ثقافيًا أن يُمعن في الهجوم على المؤسسات العلمية؟ قراءة في دوافع الجهل المتعالي واستراتيجيات درء خطره.
في زمنٍ يُحتفى فيه بالمعرفة كثروة وطنية؛ حيث التعلّم عبر الإنترنت لا يحتاج أكثر من ضغطة زر، لا يزال الجاهل المدّعي يحتلّ مساحة واسعة في النقاشات العامة، فيتجرّأ على تقويض جهود الباحثين والتشكيك في نتائج الدراسات، متسلحًا بثقة زائفة. هذه الظاهرة تبدو أقلّ صلةً بالمحتوى العلمي ذاته، وأكثر ارتباطًا بدوافع نفسية واجتماعية.
أولًا: دوافع تجاوز الجهل
1. الرغبة في الظهور الاجتماعي
يتناسى الجاهل أن يسعى لفهم المسائل قبل التعليق عليها، ويُقدّم رأيه كـ«حق مطلق» ليكسب صيتًا في محيطه.
2. الضغوط النفسية والاجتماعية
قد يكون الفشل الأكاديمي أو الإقصاء الاجتماعي دافعًا للانخراط في نقد العلماء، باعتباره متنفسًا لإثبات الذات.
3. التضليل الإعلامي
تنتشر المنصات التي تشجّع على الإسفاف الفكري، فتروّج لأفكار ركيكة تُقدّم للمتلقي على أنها «بديل» للتخصص الدقيق.
ثانيًا: انعكاسات التعدّي على العلم
تقويض ثقة الجمهور في اللقاحات والعلاجات والابتكارات، مما يعرقل مسارات التطور الصحي والتكنولوجي.
إهدار الموارد حين يُستنزف قِسم من المجتمع الأكاديمي في الردود والتفنيد بدل الانكفاء على البحث والتطوير.
تصدّع الأسس العلمية بفعل تبني بعض المؤسسات أو صُنّاع القرار آراءً غير مبنية على بيانات موثوقة.
ثالثًا: استراتيجيات الوقاية والمواجهة
1. تعميق ثقافة القراءة الناقدة عبر ورش عمل للطلاب وأفراد المجتمع تُركّز على نقد المنهجية لا الأشخاص.
2. فرض معايير صارمة للنشر في وسائل الإعلام، بحيث لا يُتاح المجال للرأي قبل التحقق من مصدره العلمي.
3. حاضنات تواصل بين العلماء والجمهور تنظم لقاءات حية وجلسات «سؤال وجواب» تزيل الهواجس وتعالج الشوائب.
4. استخدام التقنية لأدوات الذكاء الاصطناعي في تصفية المحتوى المغلوط وتوجيه المستخدمين إلى المراجع الأصلية.
إن التصدي لتطاول الجاهل على العلم ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة مجتمعية لضمان انتقال المعرفة بسلاسة وصدق. فالأمة التي تسمح لحفيف الجهالة أن يعلو على صوت الدليل، تخسر ربح المستقبل.

