الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
في ظل واقع جيوسياسي شديد التعقيد، تخوض إسرائيل حربًا مفتوحة منذ السابع من أكتوبر، لكنها حرب تختلف عن كل ما سبقها. ليست المشكلة فقط في حجم المعارك أو طبيعة الخصوم، بل في غياب الأفق السياسي، وانعدام الرؤية الاستراتيجية، ما يجعل هذه الحرب أقرب إلى حلقة مفرغة، تستنزف طاقة الدولة، وتُضعف مناعتها الداخلية، وتُفقدها توازنها في الإقليم.
انتصارات بلا مكاسب
منذ اللحظات الأولى لانطلاق العملية العسكرية، سعت إسرائيل إلى توجيه ضربة ساحقة لحركة حماس، وتوجيه رسائل ردع لحزب الله، لكنها فشلت في تحديد هدف سياسي واضح. هل تسعى إسرائيل إلى القضاء التام على حماس؟ أم إلى إعادة احتلال غزة؟ أم مجرد استعادة الردع؟
كل هذه الأسئلة بقيت بلا إجابة، لتتحوّل العملية إلى تحرك عسكري بلا بوصلة سياسية. ومع تزايد الدمار في القطاع وارتفاع عدد الضحايا المدنيين، تجد إسرائيل نفسها تخسر في الساحة التي كانت تعتقد أنها تتفوق فيها: الرأي العام العالمي.
الداخل الإسرائيلي: أزمة غير معلنة
الحرب الحقيقية تدور اليوم داخل إسرائيل. فبين الانقسام السياسي، والتوتر بين القيادة العسكرية والحكومة، والتآكل الاقتصادي الناتج عن توقف الإنتاج وتراجع الاستثمار، باتت الدولة في مواجهة أزمة ثقة داخلية متنامية.
الائتلاف الحاكم يعيش حالة ارتباك، في ظل تناقض الرؤى بين تيارات تدفع نحو التصعيد المفتوح، وأخرى تدعو إلى ضبط النفس. وفي المقابل، تعاني الجبهة الداخلية من إنهاك، حيث بدأت مؤشرات التململ الشعبي تظهر في استطلاعات الرأي، وفي النقاشات الإعلامية، وحتى داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
العزلة الدولية تزداد
على الصعيد الدولي، بدأت إسرائيل تفقد ما تبقى من احتياطيها الأخلاقي أمام العالم. صور الدمار، ومعاناة المدنيين، وقطع المساعدات الإنسانية، كلها أسهمت في تآكل الدعم الغربي التقليدي.
حتى الحليف الأقرب، الولايات المتحدة، بات يواجه ضغوطًا داخلية لتقليص الدعم، خاصة مع تنامي المعارضة داخل الحزب الديمقراطي، وارتفاع أصوات تطالب بربط المساعدات العسكرية بوقف العمليات في غزة.
اللافت أن الانتقادات لم تعد تأتي فقط من الدول الرافضة تقليديًا للسياسات الإسرائيلية، بل من حلفاء غربيين تاريخيين، مثل فرنسا وكندا وألمانيا. وهذا تحوّل لا يمكن لإسرائيل تجاهله، لأنه يشير إلى بداية تغير في قواعد اللعبة الدبلوماسية.
أزمة هدف… لا مشروع سياسي
أخطر ما في المشهد أن إسرائيل تقاتل بلا مشروع سياسي. العمليات العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا قيمة لها إذا لم تُترجم إلى مكاسب استراتيجية. حتى اللحظة، لا تملك القيادة الإسرائيلية خطة واضحة لما بعد المعركة.
خيار احتلال غزة بالكامل مكلف ميدانيًا وغير مقبول دوليًا. وخيار تسليم القطاع للسلطة الفلسطينية دون توافق وطني واسع لن يصمد طويلًا. أما استمرار الوضع الراهن، فهو يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، والانفجار الإقليمي.
الفرصة العربية: لحظة الحضور الفاعل
من منظور عربي، لا يجب أن نكتفي بمتابعة مشهد التراجع الإسرائيلي، بل علينا قراءته كفرصة لإعادة صياغة الموقف العربي من القضية الفلسطينية.
الصراع لم يعد فقط حول حدود أو مستوطنات، بل حول سردية كاملة بدأت تنهار. إسرائيل التي كانت تقدم نفسها كضحية، باتت اليوم في موقع المتهم، وهي لحظة لا تتكرر كثيرًا في التاريخ السياسي.
في هذا السياق، برز الدور الريادي للمملكة العربية السعودية، التي أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي من موقع متزن ومسؤول. ومن خلال الضغط السياسي والدبلوماسي الهادئ، أسهمت المملكة في تحفيز عدد من الدول للاعتراف بدولة فلسطين، ودفعت باتجاه إعادة تفعيل المسار السياسي على أسس قانونية واضحة، بما في ذلك التنسيق مع فرنسا لعقد مؤتمر دولي، وتعزيز حضور القضية الفلسطينية في المنظمات الدولية.
خلاصة
إسرائيل اليوم ليست فقط في حرب مع غزة أو مع حماس، بل في حرب مع الزمن، ومع التآكل الداخلي، ومع المشهد الدولي الذي يتغير من حولها.
قد تربح المعارك، لكنها تخسر الحرب الكبرى: الحرب على الشرعية، وعلى السردية، وعلى الدعم الدولي. فكلما طال أمد العمليات، كلما تقلصت قدرتها على الحفاظ على تفوقها الرمزي.
أما نحن، كعرب، فقد أثبتت المملكة العربية السعودية أن الصوت العربي قادر على التأثير، ليس فقط من خلال بيانات التنديد، بل عبر تحركات ملموسة وفعالة في دوائر القرار الدولي.
التاريخ، كما علّمتنا تجاربه، لا يرحم من يكتفي بالمراقبة. بل يُكافئ من يُحسن قراءة اللحظة، ويصوغ مشروعه انطلاقًا منها. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تملك المملكة مفتاحًا سياسيًا حقيقيًا يعيد تعريف التوازنات في المنطقة، ويرسم مستقبلًا أكثر عدلًا للقضية الفلسطينية.

