د. أحمد بن علي العيافي
متخصص في الصحافة والإعلام الرقمي والسياحة
في عصر تتسارع فيه الرسائل الاتصالية وتتشتت فيه الانتباهات، لم تعد التوعية الصحفية مجرد نشر للمعلومة، بل أصبحت مشروعاً استراتيجياً يُبنى على تخطيط دقيق، ويُقاس نجاحه بتغيير السلوك، لا فقط بتغيير الاتجاه، أو نقل المعرفة.
إذ تُعدّ حملات التوعية الصحفية أداة فاعلة في تشكيل الصورة الذهنية لدى الجماهير العامة والمستهدفة، وتستهدف في المقام الأول رضا الجمهور. وتنقسم إلى نوعين رئيسيين:
أولاً، حملات الصورة الذهنية، والتي تكون بطابع توعوي يُعرّف بالجهود المبذولة في الماضي والحاضر والمستقبل، أو بطابع إقناعي يسعى إلى تغيير الاتجاه أو السلوك.
ثانياً، حملات التوعية الإقناعية، وهي الأصعب، وتتطلب تخطيطاً دقيقاً وتصميماً محكماً وتنفيذاً مكثفاً، وتهدف إلى تدعيم الاتجاهات والمواقف وتعزيزها أمام الأحداث المستجدة، أو تغييرها تماماً.
مع التأكيد المحوري: “لا فائدة من تغيير الاتجاهات والمواقف إذا لم يصاحبه تغيير فعلي في السلوك”.
حيث يبدأ بناء الحملة الصحفية من وضع تصور دقيق لأهدافها، حتى يتم قياسها وتقييمها في النهاية على مستوى ثلاث قياسات رئيسة:
القياس المعرفي: وهو المستوى الأدنى والأسهل تحقيقه، ويرتبط بالتغطية الصحفية الإخبارية.
القياس العاطفي: وهو المستوى المتوسط، ويرتبط بالمعالجة الصحفية التفسيرية.
القياس السلوكي: وهو المستوى الأصعب، ويتحقق من خلال المعالجة الصحفية لمواد الرأي والحملات الصحفية.
وتُبنى الحملة على التأثير المقصود من خلال أهدافها، لتحقيقها وقياسها في النهاية. وتعتمد على عوامل وسيطة حاسمة، مثل: التوقيت المناسب لبدء ونهاية الحملة، وتحقيق الانتباه (فبدون الانتباه لا تأثير)، والإدراك (مع اختبار الرسائل الاتصالية على عينة من الجمهور لتفادي سوء الفهم)، والأحداث المفاجئة أو المناسبات التي تجذب الانتباه، والاستمالات العقلية والعاطفية في صياغة الرسائل الاتصالية، واختيار القنوات الإعلامية المناسبة، إذ لكل منها قدرتها الإبداعية.
ويُعدّ الإقناع تأثيراً اجتماعياً يسعى المرسل من خلاله إلى التأثير في معارف واتجاهات ومواقف وسلوكيات الجمهور، عبر خمسة أنواع من الاستجابات:
تأكيد الاستجابة (تذكيرية).
تدعيم الاستجابة (تعزيز موقف إيجابي).
تخفيض الاستجابة (تقليل سلوك دون إيقافه).
تشكيل الاستجابة (تكوين موقف من العدم).
تغيير الاستجابة (الأصعب: إقناع بالامتناع أو الإقلاع).
أخيراً، ولأن التوعية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصفحات، ولا بحجم التغطية الصحفية، بل تُقاس بعدد الأشخاص الذين غيّروا سلوكهم، وبعدد القرارات التي اتُّخذت، وبعدد العقول التي استجابت.
[الحملة الصحفية الناجحة ليست التي تُقرأ، بل التي تُغيّر في الجماهير].

