كتب : فهيم حامد الحامد محلل استراتيجي
من الواضح أن سياسة الإدارة الجمهورية الأمريكية في الشرق الأوسط تشهد تحولاً جيوسياسيا واستراتيجياً بارزاً ومحوريا ومختلفا تماما عن الفترة الاولى،التي اتجهت لتنشيط الحروب وتفعيل الازمات في المنطقة والاستفادة من الحروب بالوكالة والتي كانت بمثابة العصا التي استخدمها الرئيس ترامب في تعزيز الحروب في الشرق الاوسط.
إعادة بوصلة القوة الأمريكية
وتمثّل التغيير في حراك إدارة الرئيس ترمب في الفترة الثانية في إعادة توجيه بوصلة القوة الأميركية من الانخراط في الحروب العسكرية الخارجية في التركيز على الداخل الاقتصادي والاستثمار في الخارج سواء الاستثمار المادي او باستخدام عصا الضرائب الجمركية .
ومن الأهمية بمكان الاشارة هنا الى دور إدارة ترامب الامريكية في الحرب الاسرائيلية الايرانية المحدودة والحاسم في نفس الوقت، من خلال عدم انخراطها في الحرب من اليوم الاول والاكتفاء بحسمها في اليوم الاخير من المعركة والاعلان عن انتهاء الحرب ..
بناء قدرات الردع
فبدلاً من منطق الحروب التدميرية أو الوقائية التي سادت الحقب السابقة، اعتمد الرئيس ترمب في المرحلة الحالية على سياسة “حصر المخاطر” وهي مقاربة تقوم على تقليل المفارقات السياسية والعسكرية، مقابل تعظيم المكاسب الاقتصادية والتجارية والاستثمارية داخليا وخارجيا ، وفق منطق المكاسب الأميركية الذي يعتمد على سياسة المصالح عبر مقاربة جديدة والمتطلبات الأميركية، وتقوم على “تحديد الخطر وبناء قدرات الردع” وحصر النطاق الذي يمتد فيه الخطر.
وعالجت الولايات المتحدة المخاطر الناشئة في الشرق الأوسط في الماضي بمقاربات مختلفة عبر الوقت. في الثمانينات، واجهت أميركا إيران في فترة رئاسة ترامب الاولى بحضور عسكري كثيف لحماية منابع النفط، و تبنت نظرية “الحشد السريع”، وهي نقل القوات إلى منطقة النزاع عند الضرورة بسرعة، أولاً عن طريق الجو، وثانياً بالاستعانة بالأساطيل الأميركية المنتشرة حول العالم.
تحجيم التدخلات العسكرية
فيما قيدت إدارة ترمب في الفترة الثانية التدخلات العسكرية الخارجية في اضيق النطاقات ورغم عنفوان لغته الخطابية، إلا انه قلّص الانخراط في النزاعات الخارجية ورفض شن حروب شاملة فضلا عن استخدامه العقوبات بدلا من الحروب و الاقتصاد كأداة ضغط بديلة للسلاح، كما حصل مع إيران والصين وروسيا .
حماية شعار أمريكا أولا
وترجم ترمب شعار “أميركا أولاً” إلى سياسات حمائية من خلال فرض الضرائب، وجذب الاستثمارات والتحول نحو الاقتصاد المزدهر حيث سجلت الأسواق الأميركية ارتفاعاً كبيراً خلال فترته انخفضت البطالة إلى مستويات تاريخية زاد الناتج المحلي الإجمالي، مع تسهيلات للشركات الكبرى.
بيد أن هذه السياسة الامريكية أثارت انتقادات من الديمقراطيين والتي وصفتها بأنها انعزالية وساهمت في توتير العلاقات مع الحلفاء التقليديين وخلقت بيئة مشحونة داخلياً.
الهجوم الاستثمار والاصطفاف الاقتصادي
الرئيس ترمب اعاد تشكيل السياسة الأميركية من عقلية الحرب الاستباقية والهجومية إلى عقلية *الهجوم الاستثماري والاصطفاف الاقتصادي “، واضعًا الاقتصاد كخط الدفاع والهجوم الأول في معارك النفوذ الدولي. وهي مقاربة لا تخلو من المخاطر، لكنها نجحت في خلق زخم داخلي لا يمكن تجاهله.
تقليل التكاليف العسكرية
وتهدف هذه السياسة إلى تقليل التكاليف السياسية والعسكرية، مقابل تعظيم المكاسب الاقتصادية والتجارية وبدلاً من التدخلات العسكرية المكلفة، وركزت إدارة ترمب على إعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية، وفرض تعريفات جمركية لحماية الصناعات الأميركية، وتقليل الاعتماد على الشركاء التجاريين التقليديين.
هذا التحول ساهم في تعزيز الاقتصاد الأميركي، حيث سجلت الأسواق المالية ارتفاعًا ملحوظًا، وانخفضت معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية إلا أن التعرفة الجمركية اثرا على المستهلكين الأمريكيين وات إلى ارتفاع أسعار بعض السلع.
وكمحصلة ترامب اعاد تشكيل السياسة الأميركية داخليا وخارجيا من خلال التركيز على الاقتصاد الوطني وتقليل التدخلات الخارجية وتجيم الحروب .
ورغم التحديات، فإن هذه الاستراتيجية ساهمت في تعزيز الاقتصاد الأميركي وجعلته أكثر استقلالية وغيرت التفكير النمطي تجاه امريكا بيد أنه في الوقت الذي يتطلع الجميع لقمة امريكية روسية اوكرانية مرتقبة لحل الأزمة الأوكرانية ؛ تتطلع شعوب المنطقة لدور أكبر أمريكي ونشط وفاعل في انهاء ملف تجويع غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية.. كون القضايا المحورية لا تسقط بالتقادم وسياسة حصر المخاطر لايمكن ان تكتمل الإ بحل هذه القضايا الاساسية..

