بندر بن عبدالله بن محمد
منذ فجر التاريخ، والبشر يتساءلون: إذا كان الخالق واحداً، فلماذا تتعدد الأديان وتختلف الشرائع؟ ولماذا هذا الانقسام بين يهودية ونصرانية وإسلام، بينما الأصل في الجميع أنهم يرفعون أيديهم بالدعاء إلى إله واحد في السماء؟ قد يجلس المسلم مع اليهودي والمسيحي على مائدة واحدة، فيتفق الجميع لفظاً أن معبودهم هو الله، لكن حين يغوص المرء في التفاصيل يدرك أن صورة الإله عند هؤلاء لم تبق نقية كما أنزلها الله، بل دخلها التحريف والزيادة والنقصان.
وقد أجاب القرآن عن هذا التساؤل بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]. فالاختلاف في الشرائع مقصود لا عشوائي، أراده الله ابتلاءً للناس، ليظهر الصادق في وجهته والمخلص في عمله، ويكون التنافس بينهم في الخيرات لا في الخصومات.
أسلمة الوجه لله ومعناها
إن جوهر الدين واحد لا يتغير، وهو توحيد الله و”أسلمة الوجه له”. وليس الإسلام هنا مجرد “استسلام” يوحي بالقهر، بل هو “أسلمة الوجه لله” طوعاً وطيب خاطر، كما فعل إبراهيم عليه السلام حين قال له ربه: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131].
ومعنى أسلمة الوجه أن يتجه المرء بكليته لله، عقلاً وقلباً وجوارح، فيلتزم بما أمر، ويجتنب ما نهى، في المحرمات وغيرها، فلا يجعل مع الله نداً، ولا يتخذ لنفسه مرجعاً غير وحيه. فهي ليست مجرد كلمة أو دعوى، بل التزام عملي يحيط بالسلوك كله: من الاعتقاد، إلى العبادات، إلى المعاملات. ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 112]، فجمع بين الإخلاص لله والإحسان في العمل، ليكون الدين عبادةً صافيةً وتعاملاً راقياً مع الناس.
الشرائع والعبادات واختلافها
جاءت الشرائع الإلهية متنوعة بحسب أحوال الأمم وظروفها، لكنها لم تختلف في مقصدها الأعلى: توحيد الله وتهذيب الإنسان. فاليهود ابتلوا بالسبت، والنصارى شددوا على الزهد والرحمة، وجاء الإسلام جامعاً بين العدل والرحمة، ناسخاً ومهيمناً، ومبيناً أن هذا التعدد لم يكن إلا مراحل تمهّد للوصول إلى الرسالة الخاتمة.
أما العبادات، فقد ظهر فيها التنوع ثم استقرت في الإسلام على هيئتها الجامعة. فالصلاة مثلاً اختلف في عددها بين من قال بثلاث ومن قال بخمس، حتى استقرت بالوحي والبيان النبوي على خمس، كما قال الرسول ﷺ: “صلوا كما رأيتموني أصلي”. ولو كان الحساب يوم القيامة على ثلاث لكان من صلى خمساً قد غطى الثلاث وزاد، أما إن كان الحساب على خمس فالذي اقتصر على ثلاث قصّر. ولذا كان اتباع القرآن وما بلّغه النبي ﷺ هو الضمان واليقين.
والصلاة هنا ليست مجرد طقس متكرر، بل هي عمود الدين، ورمز وحدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. فما من مسلم يدخل المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو أي مسجد على وجه الأرض إلا ويصلي كما يصلي غيره، بتواتر متصل عبر الأجيال، محفوظ بالعمل لا بالنصوص وحدها.
وكذلك:
- الصيام جعل شهراً كاملاً للتربية والتزكية، مرتبطاً برؤية هلال رمضان.
- الحج فريضة تبدأ بالتأهب منذ يوم التروية، وتجمع الأمة في مشهد واحد، لمن أراد القِران بين العمرة والحج.
- الزكاة لم تشرع لمجرد التكافل، بل لتطهير النفس والمال. وقد دل القرآن على ذلك حين حكى عن الكافر عند الموت أنه يقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]، فهي آخر ما يتمناه المرء عند الفوت، لأنها وحدها ترفع عنه بعض أوزاره. أما في الدنيا فهي لبيت المال ليستفيد منها المحتاج والفقير.
الخاتمة
إن الإله واحد، والدين في جوهره واحد، وهو التوحيد و”أسلمة الوجه لله” عن طيب خاطر، لا عن قهر وإكراه. وإنما اختلفت الشرائع لحكمة، ليُختبر بها الناس، ويُستدرجوا من طور إلى طور، حتى جاء الإسلام الخاتم جامعاً ناسخاً، مهيمنًا على ما سبقه. لكن البشر حرّفوا وبدّلوا، فجعل اليهود والنصارى لله أبناء، واتخذ بعضهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، فشوّهوا الأصل الذي هو التوحيد الخالص.
أما الإسلام فبقي شاهداً جامعاً:
- عقيدة توحّد الله.
- عبادة تهذّب النفس والجسد.
- شريعة تنظّم حياة الناس.
- وأخلاق ترفع إنسانية الإنسان.
فالصلوات الخمس، وصيام رمضان، وزكاة المال، وحج البيت، كلّها عبادات أداها المسلمون بالتواتر، وتناقلوها جيلاً بعد جيل، حتى صار القادم من أقصى الشرق يصلي كما يصلي القادم من أقصى الغرب، بلا فرق ولا تناقض.
وهذا كله يعيدنا إلى جوهر الرسالة: أن الدين ليس أسماءً ولا شعارات، بل هو إخلاص الوجه لله، واستباق في الخيرات. فالأنبياء جميعاً، من نوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد، دعوا إلى كلمة سواء: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64].
وهكذا يتبيّن أن الاختلاف في الشرائع ليس تناقضاً، بل هو امتحان، وأن المرجع في النهاية إلى الله ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]، فيضع كل نفس موضعها الحق، ويجزيها بعدله الذي لا يظلم مثقال ذرة

