عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في بيئة العمل الحديثة، تتشابك العلاقات وتتقاطع المصالح، ويظن البعض أن الانفتاح الزائد أو التودد المفرط هو الطريق الأمثل لبناء أجواء إيجابية. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن العمل — مهما تعددت ألوانه — يبقى إطارًا رسميًا تحكمه الأدوار والمهام والنتائج. التعامل مع الزملاء بذكاء واحترام حدود العمل لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة مهنية لحماية الذات والحفاظ على صورة احترافية مستقرة. فكما تقول القاعدة الذهبية: «كل شيء إذا زاد عن حده… انقلب ضده».
الرسمية في العمل ليست جفاءً أو برودًا كما يعتقد البعض، بل هي شكل من أشكال الاحترام. هي الاعتراف بأن لكل شخص مساحة خاصة، ودورًا محددًا، ومسؤوليات لا ينبغي التداخل فيها. حين تتعامل مع زميلك بقدر من الرسمية، فأنت لا تبني جدارًا، بل ترسم حدًا واضحًا يمنع سوء الفهم، ويقلل حساسية التوقعات، ويحمي العلاقة من الاحتكاك العاطفي غير الضروري. الرسمية تمنحك مساحة آمنة لا تُفهم فيها اللطافة على أنها ضعف، ولا يُفسر فيها صمتك على أنه خجل، ولا تُستغل رغبتك في المساعدة بشكل يرهقك أو يضعك في مواقف محرجة.
العمل — مهما بدا من الخارج — قائم على المصالح. فالذي جلبك إلى وظيفتك ليس أحد الزملاء ولا المدير المباشر، بل حاجة المؤسسة لدور محدد تقوم به. الوظيفة هي الباب، وليست العلاقات. وهذا لا يعني أن نكون متباعدين أو قساة، لكن يعني ببساطة أن ندرك حدودنا، وأن نميّز بين ما هو مهني وما هو شخصي. عندما تدرك هذه الحقيقة، تخفّ التعلقات، وتصبح قراراتك أكثر وعيًا، وتخفّ الصدمات التي قد تأتيك من علاقات وظيفية مبنية على العاطفة لا على الاحتراف.
ويقول المختصون: «في الحسابات دقّق الحسبة… تزيد الألفة». تشبيه عميق ينطبق تمامًا على بيئات العمل. فكلما كانت الحدود واضحة، والمسؤوليات واضحة، وطريقة التعامل واضحة، قلّت المشكلات وزادت الثقة. الناس تختلف، الأفكار تختلف، والظروف تختلف. وما يظنه البعض مزاحًا يراه الآخر تجاوزًا، وما يراه أحدهم قربًا يراه غيره ضغطًا أو عبئًا. وضوح الأدوار وحدود التعامل يحمي الجميع، ويرسم مسارًا مهنيًا صحيًا.
الإفراط في اللطف داخل العمل قد ينعكس عليك سلبًا أكثر مما تتخيل. عندما تكون لطيفًا أكثر من اللازم، يبدأ البعض في تحميلك مهام ليست من مسؤولياتك، ويتوقع آخرون منك خدمات لا يُفترض تقديمها، وقد تجد نفسك متورطًا في مشكلات لم تكن جزءًا منها أصلًا. اللطف قيمة عظيمة، لكنه يصبح نقطة ضعف حين يتحول إلى تنازل دائم أو مجاملة مفرطة أو تداخل غير محسوب. الرسمية الذكية هنا ليست قسوة، بل توازن يحميك ويحمي صورتك المهنية.
النضج الوظيفي يظهر عندما يعرف الموظف كيف يرسم حدوده دون أن يخسر احترام أحد، وكيف يكون متعاونًا دون أن يتجاوز دوره، وكيف يكون لطيفًا دون أن يسمح لأحد باستغلاله. الموظف المحترف لا يبني علاقاته على القرب الشخصي، بل على الجودة والانضباط والنتائج. يعرف أين يقف، ومتى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يقول «لا» بطريقة لبقة وواضحة. يعرف أن الوظيفة مؤقتة، لكن السمعة المهنية دائمة.
الخلاصة أن التعامل الرسمي في العمل ليس ترفًا ولا جفاءً، بل هو أسلوب حياة مهنية يحميك من الاستنزاف، ويرفع قيمتك، ويجعل الآخرين يرونك كما يجب: محترفًا، واضحًا، حازمًا عند الحاجة، ومتوازنًا في علاقاتك. اللطف مطلوب، لكن بحد. القرب جميل، لكن بضابط. والاحترافية تبدأ من إدراك أن العمل ليس ساحة علاقات، بل ساحة إنجاز. تذكر دائمًا: عامل زملاء العمل بقدر العمل… ولا تمنح أحدًا مساحة أكبر من دورك ولا من مساحة الوظيفة نفسها.

