د. محمد العرب
لم أكن أظن أنني سأرى وجهاً للحرب أبشع مما رأيته في ثلاثة وثلاثين عاماً من الجبهات، لكن ما سمعته من الناجين القادمين من غرب وشمال كردفان جعلني أعيد النظر في معنى الألم نفسه ، تلك لم تكن شهادات… كانت أنفاساً مخنوقة، وجوهاً مطفأة، وقلوباً تبحث عن مكان تبكي فيه دون أن تخاف ، دخلت مخيمات النزوح في الخرطوم وأم درمان وأنا أحمل قلماً، لكنني خرجت أحمل أجزاء من أرواحهم، كأنهم تركوها في يدي بلا قصد.
رأيت نساءً يجلسن وقد تحولت أجسادهن إلى خرائط للفقد. امرأة في منتصف الأربعينيات قالت لي بصوت محشور: نحنا ما جينا الخرطوم… نحنا انسحبنا من الدنيا…!
كانت تحاول أن تخفي ارتجاف يديها داخل عباءتها، لكن الارتجاف كان أعمق من أن يُخفى. حكت لي كيف دخلت المليشيات قريتهم فجراً، كيف كانوا ينامون والطمأنينة فوق رؤوسهم، ثم استيقظوا والعالم تحت أقدامهم ينهار. قالت إنها سمعت صراخ جارتها قبل أن ترى النار، وإنها ركضت دون أن تعرف إن كان أولادها خلفها أو أمامها أو تحت شيء ما.
توقفت فجأة ونظرت إليّ بطريقة لن أنساها: أنا ما بكيت… يمكن البكاء زعل مني…!
في خيمة أخرى التقيت طفلاً يجلس على الأرض، يرسم خطوطاً متشابكة بإصبعه في التراب. سألته عن عمره، فرفع رأسه بعينين أكبر من جسده وقال: قبل الحرب كان عشرة… هسع ما عارف…!
طفل لا يعرف عمره. طفل يقول بصوت ثابت: أنا بخاف من النهار… الليل أرحم، لأنه بيخبّي ، هذا الطفل رأى أكثر مما يجب أن يراه رجل في عمر السبعين. أخبرني أنه لا يعرف ما إذا كان أبوه حياً أم ميتاً، وأن أمه لم تعد تنام إلا وهي تضمّه، لا حباً… بل خوفاً من أن يستيقظ ولا تجده.
وبين الخيام، وجدت رجلاً يحمل ملامح الرعاة، طويل القامة، لكن ظهره منكسر كغصن يابس. قال لي قبل أن أسأله: أنا ما عندي أرض… يعني ما عندي اسم ، كان يتحدث عن أرضه كما يتحدث المرء عن أمه. قال إن المليشيات أخذت الماشية، أحرقوا المخازن، وتركوا لهم السماء فقط. لكنه لم يهرب بسبب الهجوم… بل هرب يوم عاد إلى أرضه ولم يجدها. قال: في ناس بتموت برصاصة… وأنا متّ يوم فقدت أرضي….!
ثم سكت طويلاً… كأن الكلام صار يجرحه أكثر من السكوت.
وفي خيمة أخرى، جلست أمامي فتاة في السادسة عشرة، صغيرة الجسد، لكنها تحمل في عينيها قوة جبال كاملة. لم تنتظر أن أسألها. قالت: أنا شايلة أمي على ظهري لمن رجلي اتقطعت من الوجع ، تحكي كيف حملت أمها المريضة ثلاثة كيلومترات بين النيران، وكيف كانت أمها تقول لها: خِلّيني…
فترد عليها: لو خليتك… أنا بموت قبلك ، قالتها بصلابة لا تشبه عمرها، ثم انحنت رأسها فجأة وكأنها تتذكر شيئاً موجعاً: أمي هسع عايشة… بس ما بتضحك. الحرب سرقت ضحكتها.
والأكثر وجعاً كان الرجل الخمسيني الذي جلس أمامي وهو يمسك بيديه بعضهما كأنه يخشى أن يتفلت منه ما تبقى من نفسه. قال إنه فقد زوجته واثنين من أولاده في الهجوم على قريتهم. لم يرفع عينيه وهو يتكلم. كان صوته وحده يقف: أنا ما شفت موتهم… بس سمعت صوتهم. والصوت… أسوأ من المشهد ، ثم أضاف شيئاً جعل الهواء من حوله ينحبس: أنا جيت الخرطوم عشان ألاقي مكان أبكي فيه… لحد الآن ما لقيت.
كان الناجون يأتون إليّ وهم يحملون قصصهم مثل جروحٍ مفتوحة. لم يكن بينهم من يتحدث بارتياح. كان كل واحد منهم يختار كلمات بطيئة، محملة بثقل السنوات، كأنها حجارة تخرج من قاع صدره. سمعت رجلاً يقول: نحن ما نزحنا… نحن اندفعنا من الموت دفعة واحدة ، وامرأة تهمس: الليل هناك أرحم من البشر ، وفتى يقول: نحن بقينا نخاف من الضحك… عشان الضحك فيهو ناس..
كانوا يعيشون في الخرطوم وأم درمان بأجساد موجودة وقلوب معلّقة خلفهم، في القرى التي احترقت. البعض لا زال ينظر للباب كأن شخصاً مفقوداً سيدخل الآن، والبعض ينام وهو يحضن الهواء، لأن شخصاً كان في ذلك المكان واختفى. لم أر في حياتي مجتمعاً يجر ألمه بهذه الطريقة الثقيلة والعادلة في آن واحد. كأن كل خطوة في المخيم هي خطوة فوق رماد.
في كل مرة كنت أغادر خيمة أو مجموعة، كنت أشعر أن قلبي أثقل من جسدي. كنت أبحث عن شيء أكتبه، شيء يخفف عنهم… فلا أجد. لأن الكلمات مهما كانت قوية، فهي أضعف من أن تحمل هذا القدر من السواد. لكني كنت أرى شيئاً واحداً يشبه المعجزة: هؤلاء الناس، رغم كل الرماد، رغم كل الفقد، رغم كل الجراح… ما زالوا يقفون.
رأيت امرأة تقول: طالما لسه نتنفس… نحن ما خسرنا ، ورأيت رجلاً يرفع رأسه ويقول: الحرب عايزة تكسرنا… بس نحنا أخشن من الكسر ، ورأيت طفلاً يبتسم فجأة بطريقة غامضة وكأنه يقول للعالم: لم تنتهِ القصة بعد…
ما حدث في غرب وشمال كردفان ليس نزاعاً، ولا أزمة، ولا فصلًا سياسياً. إنها مأساة إنسانية عارية، صادمة، وقاسية. مأساة تصرخ في وجه كل من يحاول التخفيف من حجمها. الناجون الذين جلست أمامهم هم آخر ما تبقى من الحقيقة. وجوههم وثائق. دموعهم وثائق. أصواتهم وثائق. وما لم يُكتب عنهم… جريمة صامتة أخرى.
هؤلاء الناس لم يفقدوا بيوتهم فقط. فقدوا الوقت، فقدوا الطمأنينة، فقدوا أسماء أحبّتهم، وفقدوا أشياء لا تُسمّى. لكنهم رغم ذلك، يشبهون شجر الهشاب… يُقطع، ويجف، ثم يعود ينبت فوق الحجر.
وأنا أكتب هذا، لا أكتب شهادة صحفية. أنا أكتب ديناً ، ديناً في عنقي تجاه كل عين نظرت إليّ وهي تبحث عن صدر تبكي عليه، وكل صوت كان يحاول أن ينجو من داخله.
غرب وشمال كردفان لم تنكسر… بل انكسرت قلوب أهلها. والخرطوم وأم درمان لم تستقبلهُم فقط… بل حملت صراخهم. وما دام الألم يُروى، فالحقيقة باقية، ولا يمكن للمليشيات أن تطفئها حتى لو أحرقت ألف قرية.

