تتجه أنظار العلماء بقلق نحو ارتفاع درجات حرارة المحيطات الناجم عن موجات الحر البحرية والتغير المناخي، والذي امتد تأثيره ليصل إلى المياه العميقة، مما يثير مخاوف حقيقية بشأن حدوث اضطرابات في الأنظمة الكيميائية والبيولوجية الهشة للمحيطات.
وفي تطور علمي مفاجئ، أشارت أبحاث حديثة إلى أن ميكروباً بحرياً أساسياً يعرف باسم «نيتروسوبوميلوس ماريتيموس» قد يكون قادراً بالفعل على التكيف مع الظروف الأكثر دفئاً والأقل في نسبة المغذيات.
ويعتقد العلماء أن هذه الكائنات الدقيقة القابلة للتكيف، والتي تعتمد بشكل كبير على عنصر الحديد وتقوم بعملية أكسدة الأمونيا، يمكن أن تؤثر بشكل حاسم على كيفية توزيع المغذيات في جميع أنحاء المحيطات مع استمرار التغيرات المناخية، حيث نشرت نتائج هذا البحث في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» الأمريكية.
ويشكل ميكروب «نيتروسوبوميلوس ماريتيموس» والميكروبات وثيقة الصلة به حوالي 30% من العوالق الميكروبية البحرية.
ويعتبرها العديد من العلماء ضرورية وحيوية لكيمياء المحيطات لأنها تحرك التفاعلات التي تدعم النظم البيئية البحرية بأكملها.
وتقوم هذه العتائق بأكسدة الأمونيا، وهي عملية تلعب دوراً مركزياً ومحورياً في دورة النيتروجين داخل المحيط. ومن خلال تحويل النيتروجين إلى أشكال كيميائية مختلفة في مياه البحر، تنظم هذه الميكروبات نمو العوالق الميكروبية.
وتشكل هذه الكائنات متناهية الصغر قاعدة السلسلة الغذائية البحرية، مما يعني أن نشاط العتائق المؤكسدة للأمونيا يساعد في نهاية المطاف على استدامة التنوع البيولوجي البحري.
في هذا السياق، صرح أستاذ علم الأحياء الدقيقة بجامعة «إلينوي في إربانا-شامبين»، «وي تشين» قائلاً: “قد تمتد تأثيرات احترار المحيطات إلى أعماق تصل إلى 1000 متر أو أكثر”.
وأضاف: “كنا نعتقد في الماضي أن المياه العميقة معزولة في الغالب عن الاحترار السطحي، ولكن أصبح من الواضح الآن أن احترار أعماق البحار يمكن أن يغير كيفية استخدام هذه العتائق الوفيرة للحديد – وهو معدن تعتمد عليه بشدة – مما قد يؤثر على توافر المعادن النادرة في أعماق المحيطات”.
وأجرى فريق البحث، بقيادة «تشين» وأستاذ بيولوجيا التغير العالمي بجامعة «جنوب كاليفورنيا»، «ديفيد هاتشينز»، تجارب خاضعة لرقابة دقيقة وصارمة لتجنب أي تلوث بالمعادن النادرة.
وقاموا بتعريض مزارع نقية من ميكروب «نيتروسوبوميلوس ماريتيموس» لدرجات حرارة مختلفة ومستويات متباينة من الحديد.
وأظهرت نتائجهم أنه عندما ارتفعت درجات الحرارة في ظل ظروف محدودة الحديد، احتاجت الميكروبات إلى كميات أقل من الحديد واستخدمته بكفاءة أعلى بكثير.
وتشير هذه النتيجة المهمة إلى أن هذه الكائنات الحية الدقيقة قادرة على تعديل عملية الأيض الخاصة بها للتعامل مع كل من درجات الحرارة المرتفعة وانخفاض توافر الحديد في البيئة المحيطة.
وأوضح «تشين»: “لقد قمنا بربط هذه النتائج بنمذجة جيوكيميائية حيوية للمحيطات العالمية أعدها «أليساندرو تاجليابو» من جامعة «ليفربول»”.
وتابع: “تشير النتائج إلى أن مجتمعات العتائق في أعماق المحيطات قد تحافظ على دورها في دورة النيتروجين ودعم الإنتاج الأولي، أو حتى تعززه، عبر مناطق واسعة محدودة الحديد في ظل مناخ يزداد احتراراً”.
وسيعمل «تشين» و«هاتشينز» ككبيري علماء مشاركين على متن سفينة الأبحاث «سيكولياك».
وستنطلق الرحلة الاستكشافية من «سياتل» إلى خليج «ألاسكا» ثم تستمر إلى الدوامة شبه الاستوائية، مع التوقف في «هونولولو» بولاية «هاواي».
وستضم الرحلة البحرية 20 باحثاً إضافياً سيقومون بفحص مجموعات العتائق الطبيعية في المحيط. ويتمثل هدفهم الرئيسي في تأكيد النتائج التجريبية في ظروف العالم الحقيقي، وفهم كيفية تفاعل التغيرات في درجات الحرارة وتوافر المعادن لتشكيل النشاط الميكروبي في أعماق المحيطات.

