أحمد الفهيد
(١)
قبل عشرة أعوام، لم يكن الرأي جذابًا، كان أقرب إلى ظن ثقيل، يمشي ببطء في ممرات لا يأبه بها أحد، كان تحذيرًا من أثرٍ سلبي يتراكم بصمت، ويظهر فجأة في وجهك، كحقيقة لا تقبل التأجيل.
(٢)
كتبتُ يومها: «كرة القدم مصنع يُدرّ اللاعبين قبل أن يُدرّ المال.. هذا المصنع إن لم يخدم المنتخب، فإغلاقه أكرم».
لم يكن ذلك ترفاً لغويًا، كان تشخيصًا بديهيًا مبكرًا لمسارٍ يُعاد تشكيله على حساب جوهر اللعبة.
(٣)
اليوم، الصورة أكثر وضوحًا، وأشد قسوة، منتخب يصل إلى كأس العالم عبر ملحق، في نسخة توسّعت فيها المقاعد الآسيوية إلى ثمانية ونصف، طريق كان يفترض أن يصبح أكثر رحابة، فإذا به يضيق.
حين صار الطريق سهلًا، تعسر الوصول!
(٤)
وقبل أيام، خسارة ثقيلة على أرضنا، وأمام جماهيرنا، تعيد النقاش القديم، هي هي نفس الجُمل، والاتهامات والانفعالات نفسها، مدرب يُلام، اتحاد يُنتقد، أداء يُسخر منه.. الدائرة ذاتها تدور منذ سنوات، ونحن في قلبها ندور.
والمشكلة ليست في الخسارة الودية، ولا في الفائز الذي أذاقنا هزيمة قاسية، ولا في المدرب الذي رحل ثم عاد، المشكلة أعمق من ذلك بكثير، إنها في المصدر.
(٥)
لا يمكن أن تصنع منتخبًا قويًا من لاعبين لا يلعبون.
لا يمكن أن تبني هوية كروية من أقدام اعتادت الانتظار على مقاعد البدلاء.
لا يمكن أن تطلب من لاعب أن يمنح موهبته لمباراة المنتخب الوطني، وموهبته لم تُمنح لفريقه أصلًا.. هذه ليست فلسفة، هذه بديهيات.
(٦)
ويقول قائل: «هناك 3 لاعبين سعوديين أساسيين في كل فريق، (54 لاعبًا) فكيف يصعب العثور على 18 لاعبًا بينهم بجودة فنية عالية، تليق بمونديال عالمي؟!».. رقم يبدو مطمئِنًا على الورق، رقم أنيق، متماسك، قابل للتصديق.. لكن الحقيقة أقل أناقة.
هؤلاء اللاعبون لا يتوزعون على خارطة الملعب، إنهم يتكدسون في زوايا محددة (مثلًا: 19 لاعب في خانة الظهير الأيمن)، عدة أسماء تركض في نفس الخانات، تتشابه الأدوار، تختنق المساحات.. في جهةٍ ما،تجد وفرة لا تُستخدم، وفي جهاتٍ أخرى، فراغ يصرخ: «حارس، رأس حربة، صانع لعب».
المنتخب لا يحتاج عدد لاعبين، إنما يحتاج تنوع أدوار.. يحتاج من يقف في الأماكن التي لا يقف فيها أحد.
(٧)
قبل سنوات، حين انهارت ألمانيا في «بطولة أمم أوروبا 2000» لم تبحث عن شماعات قريبة لتعلق عليها ثياب العار، لم تُحمّل الخسارة لمدرب، أو جيل، أو مباراة، نظرت إلى الداخل، اكتشفت أن المشكلة في الجذور، في عدد اللاعبين المحليين، في طغيان الأجانب على قوائم الأندية، في جودة التكوين، في فلسفة الإنتاج.
«فرانز بيكنباور» قالها بصوت مرتفع، وبثقة: «العودة قادمة» لم تكن عبارة عاطفية، كانت خطة.
أكاديميات، مدارس، إلزام، التزام، استثمار في اللاعب الألماني.. ثم ماذا؟
بضع سنوات، وعادوا إلى القمة، وانتهى المشهد بفوزهم عام 2014 بكأسي «القارات» و«العالم».
(٨)
وفي الصين، حين تدفقت الأموال، وامتلأت الملاعب بالنجوم العالميين، وتبخر اللاعب الصيني تمامًا، لم يعد موجودًا في الملعب، أدركوا الخطر، ففرضوا القيود، ضرائب على الأجانب، إرغام على إشراك الشباب، إرسال لاعبيهم للاحتكاك الخارجي.. كانوا يعرفون أن السوق إذا انفلت، ابتلع اللاعب المحلي، منتخب الصين الوطني الآن يعاني، صار صيدًا سهلًا، وتربية مخالبه مجددًا، وجعله يركض بسرعة فائقة مرة أخرى سيستغرق وقتًا، وربما لا ينجح الأمر.
(٩)
المسألة ليست أخلاقية، ولا عاطفية.
هي معادلة:
دوري مليء بالنجوم الأجانب، بجودة عالية، بإبهار، بعوائد مالية ضخمة، هذا خيار مشروع.
منتخب قوي، متماسك، قادر على المنافسة، هذا خيار مشروع أيضاً.
لكن الجمع بينهما يحتاج شرطًا واحدًا لا يمكن القفز فوقه:
أن يلعب اللاعب السعودي، خارج هذه البيئة، في بيئة لا تضمن له شيئًا، في منافسة حقيقية، دقائق واقعية، ضغط فعلي.
(١٠)
الدوري الإنجليزي، أقوى دوري في العالم، مليارات تتدفق، نجوم من كل القارات، صناعة كروية مبهرة، ومع ذلك، منتخب إنجلترا لا يملك في تاريخه سوى لقب عالمي واحد!
السبب معروف.. اللاعب الإنجليزي حبيس دوري بلاده، لا يهاجر، لا يغامر، لا يخوض تجربة تُعيد تشكيله (سوى قلة قليلة جدًا)، ويقبل الجلوس على كراسي الاحتياط، بل أن هناك أندية في «البريميرليغ» ليس في قوائمها لاعب إنجليزي وحيد.
(١١)
في السعودية، القصة تُكتب الآن، فصلًا تلو آخر، الدوري يكبر، يتضخم، يلمع.. والمنتخب يبحث عن نفسه في قائمة أغلبها لا يلعب، هذه ليست مفارقة هذه نتيجة.
الحسم مطلوب، بوضوح، وبلا مواربة:
إما أن نُقرّ بأننا نريد دوري عالمي، مُتابع دوليًا، مُدرّ اقتصاديًا، ونقبل بما يترتب عليه، أو أن نعيد ترتيب الأولويات، ونصنع لاعبًا سعوديًا حقيقيًا، يلعب، يتطور، يُخطئ، يتعلم، يقود.. أما الوقوف في المنتصف فهو أكثر الخيارات كلفة، وأقلها عائدًا!
(١٢)
قبل عشرة أعوام، كتبتُ ما كتبته في مقالين متتاليين، الأول: «قصتان قصيرتان لغسل العار»، والثاني: «يريدون منا أن نخاف: اسكتوا»، كانتا حينها تحذيرًا.. اليوم، صار الحذر واقعًا!
والسؤال لم يعد: ماذا سيحدث؟.. أصبح السؤال: إلى متى نؤجل الاعتراف بما حدث؟!

