سلمان الشريدة
في قراءة هادئة لمسار التصعيد الأخير، يتضح أن طهران لم تُحسن توجيه جهدها العسكري نحو أهدافها المباشرة، بل بددت طاقتها بين خصومها الفعليين وعدائها الأيديولوجي لدول الخليج.
فبدلاً من تركيز عملياتها على الولايات المتحدة، انزلقت إلى استهدافات طالت مدنيين ومنشآت مدنية في الخليج والأردن، تحت ذرائع واهية تسقط أمام الوقائع.
الأرقام والسلوك الميداني يكشفان أن ما يقارب 90% من الهجمات الإيرانية اتجهت نحو دول ليست طرفاً في النزاع، ولم تُستخدم أراضيها لشن عمليات ضد إيران.
وهذا يعكس خللاً في الحسابات الإيرانية، التي راهنت على توسيع دائرة الحرب ورفع كلفتها لإجبار واشنطن على التراجع، لكنها اصطدمت بحالة من الهدوء وضبط النفس الخليجي، أربكت تلك الرهانات وأسقطت مفاعيلها.
المشكلة الأعمق في السلوك الإيراني تكمن في غياب الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، أو على الأقل في خلطها مع الأيديولوجيا.
فطهران استثمرت لعقود في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، على حساب تنمية الداخل، وسعت لامتلاك قدرات نووية، لكنها في كل مرة تصل إلى لحظة “نشوة” ميدانية، تفشل في ترجمتها إلى مكاسب سياسية مستدامة.
والسبب، في تقديري، هو البحث عن نتائج سريعة دون بناء مسار استراتيجي متماسك.
خطورة إيران، في جوهرها، ترتبط بمتغيرين: توافقها مع الأجندة الغربية، أو امتلاكها سلاحاً نووياً.
بخلاف ذلك، فإن قدرتها على تهديد التوازن الإقليمي تبقى محدودة، خاصة في ظل حالة عدم التوافق الحالية مع الغرب.
بل إن أداءها العسكري يوحي بأنها عادت، أو ستعود، إلى ما يشبه مرحلة ما بعد حربها مع العراق، من حيث الاستنزاف وفقدان الزخم.
وحين نقرأ انعكاس مواقف القوى الدولية على المشهد، ندرك أن تعطيل مشروع قرار في مجلس الأمن عبر الفيتو الروسي الصيني لم يكن موجهاً ضد دول الخليج، بقدر ما هو تعبير عن صراع نفوذ مع واشنطن.
في المقابل، لعبت باكستان دوراً لافتاً بإعلانها الوساطة وطرح هدنة، مع تأكيدها الوقوف إلى جانب السعودية في حال التصعيد، ما شكّل ضغطاً إضافياً على طهران وضيّق هامش مناورتها.
الحديث عن “انتصار إيراني” هو تجاهل لحقائق أساسية، أبرزها أن الولايات المتحدة قوة نووية، وأن عملياتها العسكرية تُدار لتحقيق أهداف سياسية لا لإسقاط النظام الإيراني بالكامل، وهو ما يفسر سقف التصريحات المرتفع كأداة ضغط تفاوضي.
في المقابل، قد تبدو إسرائيل متفوقة تقنياً واستخباراتياً، لكنها تفتقر إلى القدرة على خوض حروب طويلة المدى، كما أثبتت تجاربها الأخيرة، حيث تعتمد على دعم شركائها عند امتداد أمد المواجهة.
وفي تقديري، أن تل أبيب هي المستفيد الأكبر من هذه الهدنة لإعادة التعبئة العسكرية.
وبينما تمتلك إيران مخزوناً عسكرياً يسمح لها بالاستمرار زمنياً، لكنها تفتقر إلى التفوق النوعي التقني والاستخباري والاستراتيجي، خصوصاً مع فقدانها لمئات القيادات العسكرية والسياسية مؤخراً.
فمن المبكر الحكم على نصر أو هزيمة أو تحقيق أهداف؛ لأن العمليات العسكرية دخلت مرحلة هدنة ولم تنته بعد.
كلا الطرفين قدم شروطه للوسيط الباكستاني، لكن الحكم الحقيقي لا يكون إلا بعد الوصول إلى اتفاق.
حتى الآن، لم تقبل إيران شروط الولايات المتحدة، كما لم تقبل واشنطن شروط طهران.
هذه الهدنة ليست نهاية الصراع، بل نافذة لإتاحة فرصة التفاوض، ونحن فعلياً في مرحلة تفاوضية مفتوحة، وإن فشلت، فإن استئناف العمليات العسكرية يبقى احتمالاً قائماً.
الموقف الحالي يضع إيران بين خيارين صعبين: إما مقاطعة مفاوضات إسلام آباد وما قد يعنيه ذلك من كسر للهدنة وعودة حرب لا تريدها، مع مزيد من استنزاف مقدراتها، أو المضي في التفاوض وترك أذرعها في المنطقة “وفي مقدمتها حزب الله” تواجه مصيرها منفردة.
وهو الخيار الأرجح، حتى لو كان ثمنه انكشاف حقيقة أن تلك الأذرع لم تكن سوى أوراق ضغط سياسية أكثر منها أدوات حسم ميداني.
في المحصلة، لن تمر هذه الحرب كما مرت سابقاتها، ولن تعود المنطقة “خصوصاً دول الخليج” إلى ما كانت عليه قبلها.
فالتجارب القاسية لا تُنسى، بل تُترجم إلى دروس مستفادة تعيد صياغة الأولويات وتعزز أدوات الردع والحماية.
وما بدا للبعض صمتاً خليجياً أو هدوءاً محسوباً، ليس إلا إدارة واعية للأزمة، تُخفي خلفها “في تقديري” مساراً قانونياً ودبلوماسياً سيُفعّل في التوقيت المناسب، لملاحقة الانتهاكات وتحميل طهران كلفة ما ارتكبته، ليس فقط سياسياً، بل قانونياً أمام المجتمع الدولي، حين تضع الحرب أوزارها.

