في عملية أمنية وُصفت بـ«المحكمة»، أسدلت السلطات السورية الستار على واحدة من أكثر قصص الملاحقة إثارة للرأي العام منذ سقوط النظام السابق، بإعلانها القبض على أمجد يوسف، الضابط السابق في المخابرات العسكرية والمتهم الرئيسي بـ«مجزرة التضامن» التي هزت وجدان السوريين والعالم عند الكشف عن تفاصيلها المروعة قبل سنوات.
وأكدت وزارة الداخلية السورية، في بيان صدر الجمعة، أن قوى الأمن الداخلي تمكنت من رصد وتوقيف يوسف في منطقة ريف حماه، بعد فترة من التواري عن الأنظار أعقبت انهيار حكم بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وتداول ناشطون صوراً أولية للمتهم وهو في قبضة الأمن، بدا فيها في حالة انكسار، قبل أن تنشر الوزارة صورة رسمية له بملابس السجن.
«فيديو الموت».. دليل الإدانة الأبرز

وتعود فصول القضية إلى ربيع عام 2022، عندما نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تحقيقاً استقصائياً كشف عن مقاطع فيديو تعود لعام 2013، تُظهر عمليات إعدام ميدانية في حي التضامن بدمشق.
وظهر أمجد يوسف في تلك المشاهد بوضوح وهو يقتاد مدنيين معصوبي الأعين نحو حفرة أُعدت مسبقاً، ليطلق عليهم النار بدم بارد، قبل أن يتم إحراق الجثث لإخفاء معالم الجريمة.

وأشارت التحقيقات، التي قادها باحثون في جامعة أمستردام، إلى أن الضحايا الذين بلغ عددهم 41 شخصاً في ذلك المقطع وحده، كانوا مدنيين تم اعتقالهم من الحواجز الأمنية المحيطة بالحي.
لكن التقارير اللاحقة أكدت وجود عشرات المقاطع الأخرى التي توثق تصفية المئات بالطريقة ذاتها تحت إشراف يوسف، الذي كان يشغل حينها منصب نائب رئيس الفرع «227» التابع للمخابرات العسكرية.
مسيرة في «أجهزة القمع»

وُلد أمجد يوسف عام 1986 في قرية «نباع الطيب» بمنطقة الغاب، وانخرط مبكراً في السلك الأمني بدمشق. ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، تدرج في الرتب حتى أصبح أحد أبرز المسؤولين عن الملف الأمني في جنوب العاصمة، وتحديداً في منطقتي التضامن واليرموك.
ووفقاً لشهادات جمعها حقوقيون، عُرف يوسف بسطوته الميدانية، حيث اتُهم باختطاف النساء من طوابير الخبز، وارتكاب جرائم تعذيب واغتصاب ممنهجة، وتصفية المعارضين بدوافع «انتقامية وطائفية»، كما اعترف هو نفسه في تسجيلات سُربت لاحقاً خلال تواصله مع باحثة انتحلت صفة مؤيدة للنظام.
العدالة الانتقالية ومصير المفقودين
ويأتي اعتقال يوسف في وقت تواجه فيه الإدارة السورية الجديدة ضغوطاً شعبية ودولية هائلة لكشف مصير عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين في سجون «الحقبة السابقة».
ويرى مراقبون أن تقديم يوسف للمحاكمة يمثل حجر زاوية في مسار «العدالة الانتقالية»، خاصة وأن حي التضامن تحول عقب سقوط الأسد إلى مزار يقصده أهالي الضحايا بحثاً عن بقايا رفات ذويهم في مواقع المقابر الجماعية المكتشفة.
وفي تعليق على العملية، قال وزير الداخلية أنس خطاب، عبر منصة «إكس»: «المجرم أمجد يوسف بات في قبضتنا.. ولن يتوقف العمل حتى ملاحقة وتقديم كافة المتورطين في الفظاعات التي ارتكبت بحق السوريين إلى العدالة».
وتعلق عائلات الضحايا آمالاً كبيرة على أن يفضي التحقيق مع يوسف إلى كشف مواقع مقابر جماعية أخرى، وتحديد هوية شركائه في «فرق الموت» الذين ساعدوه في تنفيذ وإخفاء واحدة من أبشع مجازر الحرب السورية.

