مع تصاعد وتيرة الهجمات المسلحة في شمال مالي خلال الأسابيع الأخيرة، عاد المشهد الأمني في البلاد إلى الواجهة، مدفوعًا بتطورات ميدانية لافتة أبرزها تراجع الدور الروسي بعد سنوات من التوسع، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التوازنات العسكرية في المنطقة.
برز «فيلق إفريقيا»، التابع لوزارة الدفاع الروسية، كأحد أبرز الفاعلين في دعم الجيش المالي في مواجهة الجماعات المسلحة والانفصالية في شمال البلاد، خاصة مع تصاعد هجمات تحالفات مرتبطة بتنظيم تنظيم القاعدة وأخرى انفصالية.
وجاء تشكيل «فيلق إفريقيا» ليحل محل مجموعة فاجنر بعد تفككها، حيث لعب دورًا محوريًا في دعم السلطات المالية خلال المواجهات الأخيرة، لا سيما ضد «جبهة تحرير أزواد» المرتبطة بالمقاتلين الطوارق.
لكن هذا الدور شهد تحولًا مفاجئًا مع إعلان انسحاب القوات الروسية من مدينة كيدال، التي كانت تُعد معقلًا رئيسيًا للانفصاليين، قبل أن تستعيدها القوات الحكومية بدعم روسي في عام 2023.
ويأتي هذا التطور بعد هجوم منسق شنته جماعات مسلحة، ما دفع القوات الروسية إلى الانسحاب من عدة مواقع استراتيجية في شمال ووسط البلاد، عقب نحو 40 ساعة من القتال، ضمن اتفاق مع الأطراف المهاجمة.
من «فاجنر» إلى «فيلق إفريقيا»
جاء إنشاء «فيلق إفريقيا» بدعم من وزارة الدفاع الروسية، عقب تمرد قاده يفجيني بريجوجن ضد القيادة العسكرية في موسكو، ما أدى إلى إعادة هيكلة الوجود الروسي في إفريقيا.
وخلافًا لنموذج «فاجنر»، الذي تمتع بمرونة كبيرة في العمليات الميدانية، اعتمد الفيلق الجديد على نهج أكثر مركزية، مع نقل اتخاذ القرار إلى موسكو، والتركيز على التدريب واستخدام الطائرات المسيّرة.
وتشير تقديرات إلى أن ما بين 70% و80% من عناصر الفيلق هم من مقاتلي «فاجنر» السابقين، بينما يبلغ عدد المنتشرين في مالي نحو 2000 عنصر، مع تنوع في جنسياتهم، وفق تقارير دولية.
كما أفاد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بأن الفيلق يجند مقاتلين من روسيا وبيلاروس ودول إفريقية، في إطار توسع نفوذ موسكو في القارة.
تراجع ميداني وضغوط متصاعدة
رغم هذا الحضور، تشير بيانات مشروع ACLED إلى تراجع ملحوظ في نشاط المقاتلين الروس، حيث انخفض عدد المعارك من 537 إلى 402 بين عامي 2024 و2025، مع تسجيل نحو 24 حادثة شهريًا فقط منذ بداية 2026.
ويعكس هذا التراجع تغيرًا في طبيعة العمليات، لكنه يأتي أيضًا في ظل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة، التي تمكنت من تحقيق اختراقات ميدانية، من بينها السيطرة على بلدة تيسيت دون قتال.
كما انسحبت القوات الروسية من مواقع أخرى، بينها منجم ذهب في إنتاهاكا، كانت تسيطر عليه «فاجنر» منذ 2022، في بلد يُعد من أكبر منتجي الذهب في إفريقيا.
جماعات فاعلة على الأرض
تُعد جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» من أبرز الفاعلين في المشهد، وهي تحالف تأسس عام 2017 ومرتبط بتنظيم «القاعدة»، ويسيطر على أجزاء من مالي ومناطق واسعة في دول الساحل.
في المقابل، تسعى «جبهة تحرير أزواد»، التي تأسست عام 2012، إلى إقامة دولة مستقلة في شمال مالي، مع اعتبار مدينة كيدال عاصمة لها، ما يجعل السيطرة عليها ذات أهمية استراتيجية للطرفين.
تكشف التطورات الأخيرة في شمال مالي عن مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث يتراجع الحضور الروسي نسبيًا في مواجهة تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، ما يضع باماكو أمام تحديات أمنية معقدة ويعيد رسم ملامح الصراع في منطقة الساحل.

