د. سعود النداح
الإنسان يعتقد أنه ثابت بينما هو يتغير مع كل تجربة وكل فهم جديد، حيث تتبدل قناعاته وتتطور نظرته للأشياء لأن وعيه يتوسع. ما كان يراه صحيحًا في وقت سابق قد لا يراه كذلك اليوم، وما كان يرفضه قد يصبح مفهومًا لديه. هذا التغير يعني نضجًا ومرونة في التكيّف مع الحياة والأحداث وتسلسلًا طبيعيًا في مراحل النمو.
الإشكال لا يكون في تغير القناعات أبدًا، وإنما حين يختلط التغير بفقدان الثبات الداخلي. هناك فرق بين أن تعيد فهمك للأشياء وبين أن تهدم ما تقوم عليه من أساس.
القناعات تتشكل وتتبدل، أما المبادئ فهي التي تعطي هذا التبدل اتزانه وتمنعه من الانحراف. بدونها يصبح الإنسان قابلًا للتشكل حسب كل ظرف وكل ضغط، حتى لو كان بشكل سلبي.
الإنسان الناضج لا يخاف من مراجعة أفكاره ولا يرى في ذلك تناقضًا. يفهم أن التغير الطبيعي جزء من الحياة، وأن الثبات الكامل للجمادات فقط، وفي الوقت نفسه يحافظ على خط واضح في داخله يعرف من خلاله ماذا يقبل وماذا يرفض مهما تغيرت الظروف. هذا الخط لا يتغير بسهولة لأنه لا يرتبط برأي عابر بل بقيمة راسخة.
مع الوقت يتعلم الإنسان كيف يفرّق بين ما يمكن تطويره وما يجب حمايته. يراجع قناعاته بهدوء ويترك ما لم يعد مناسبًا دون شعور بالذنب، ويتمسك بمبادئه دون حاجة لإثباتها. هذا التوازن يجعله أكثر مرونة دون أن يفقد وضوحه، وأكثر قدرة على التكيف دون أن يتنازل عن نفسه.
لذلك يقاس وعي الإنسان بقدرته على أن يتغير في المكان الصحيح وأن يثبت في المكان الذي يعطيه معنى. هنا فقط يكون التغير نموًا لا تشتتًا، ويكون الثبات قوة لا جمودًا.

