غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين بعد قمة استمرت يومين، متحدثًا عن إبرام «صفقات تجارية رائعة وممتازة لكلا البلدين»، لكن الواقع على الأرض كشف عن تفاصيل شحيحة حول ما اتفقت عليه القوتان العظميان فعليًا؛ فرغم الاستقبال الحافل والمراسم المصممة بدقة التي أحاطت بالزيارة، لم يتم الإعلان عن أي اختراقات تجارية جوهرية، لتبقى النتائج معلقة بين تفاؤل واشنطن وحذر بكين الدبلوماسي.
بدأت الزيارة وسط ترقب كبير، حيث وصل ترامب رفقة وفد ثقيل من كبار الرؤساء التنفيذيين في قطاعات الزراعة والطيران والمركبات الكهربائية ورقائق الذكاء الاصطناعي.
وقد طغت التجارة على جدول الأعمال رغم التوترات الأخيرة بشأن حرب إيران، وسط آمال بتمديد الهدنة الجمركية وتوقيع صفقات كبرى. وتميزت الزيارة بخطاب ودي ورمزية عالية، شملت حرس الشرف، ومأدبة رسمية، ودعوة نادرة إلى المجمع الحصري لقادة الحزب الشيوعي الصيني.
أبدى الرئيس الأمريكي إعجابه الشديد بحفاوة الاستقبال، ووجه دعوة لنظيره شي جين بينغ لزيارة البيت الأبيض في سبتمبر المقبل، واصفًا المحادثات بأنها «ناجحة للغاية». وفي المقابل، وصف الرئيس الصيني الزيارة بأنها «تاريخية ومفصلية».
ورغم هذا التبادل الدافئ للعبارات، خلت القمة من الإعلان الفوري عن اختراقات تجارية أو صفقات أعمال كبرى.
وفد ثقيل ونتائج ضبابية
أكد ترامب، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، أن «الصين ستستثمر مئات المليارات من الدولارات» بالتعاون مع قادة الأعمال الذين رافقوه، دون تقديم أي تفاصيل إضافية توضح طبيعة هذه الاستثمارات.
وأشار أيضًا إلى موافقة الصين على طلب شراء 200 طائرة بوينغ، في خطوة تمثل أول شراء لطائرات تجارية أمريكية الصنع منذ نحو عقد من الزمان، رغم أن هذا الرقم جاء أقل من توقعات المحللين.
وامتنعت بكين بدورها عن تأكيد أي عمليات شراء كبرى استجابةً للتصريحات الأمريكية.
وتجنب المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جياكون، التطرق المباشر لتعليقات ترامب، مكتفيًا بالقول إن «جوهر العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة هو المنفعة المتبادلة والتعاون المربح للجانبين».
ودعا جياكون إلى تنفيذ «التوافق المهم» الذي توصل إليه الزعيمان، بما يحقق استقراراً أكبر للعلاقات التجارية والاقتصاد العالمي.
ساحة المعركة الصامتة
شهدت لحظة هبوط طائرة الرئاسة الأمريكية في بكين ظهورًا لافتًا للرئيس التنفيذي لشركة تسلا، إيلون ماسك، الذي تقدم كبار المسؤولين مثل بيت هيغسيث، وماركو روبيو، والممثل التجاري الأمريكي جاميسون غرير، مما عكس ثقل الأجندة الاقتصادية.
وبقي ماسك جنبًا إلى جنب مع رئيس شركة الرقائق الأمريكية إنفيديا، جينسن هوانغ، بالقرب من ترمب خلال حفل الاستقبال والمأدبة الرسمية.
وأثار حضور هوانغ المفاجئ تكهنات واسعة بأن الذكاء الاصطناعي والوصول إلى الرقائق شكلًا جزءًا محوريًا من المحادثات، خاصة مع تحول هذه القطاعات إلى ساحات معارك رئيسية في المنافسة الأمريكية الصينية.
وتعتمد تسلا بشكل كبير على مصنعها العملاق في شنغهاي والمستهلكين الصينيين، في حين تطمح إنفيديا لاستئناف بيع الرقائق المتقدمة للصين، وهو أمر تحظره حاليًا ضوابط التصدير الأمريكية التي تهدف للحد من قدرات بكين التكنولوجية.
ورغم هذه الرهانات الكبيرة، أكد الممثل التجاري الأمريكي غرير أن ضوابط التصدير لم تكن نقطة نقاش رئيسية، ولم يرد أي ذكر للذكاء الاصطناعي في البيانات الرسمية الصادرة عن القمة.
وفي الوقت ذاته، تواصل بكين ضغوطها للوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، منتقدة ما تعتبره محاولات غربية لعرقلة تطورها الصناعي.
من زراعة أمريكا إلى مضيق هرمز
وألقت حرب التعريفات الجمركية التي اندلعت العام الماضي بظلالها على المزارعين الأمريكيين الطامحين لزيادة صادرات فول الصويا ولحوم البقر والدواجن إلى الصين.
وأشار غرير إلى أن صفقات شراء المنتجات الزراعية الأمريكية قد تم تعزيزها، لكن الخارجية الصينية اكتفت بالإشارة إلى الاتفاق على الحفاظ على علاقات تجارية مستقرة وتوسيع التعاون بناءً على «المساواة والاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة».
تطرقت المحادثات أيضًا إلى توسيع وصول الشركات الأمريكية للسوق الصينية، والتي تمثل بيئة تشغيل صعبة بسبب اللوائح التنظيمية والشكوك الجيوسياسية.
وأبلغ الرئيس الصيني شي قادة الأعمال الأمريكيين أن «الأبواب ستُفتح على مصراعيها» أمامهم، متحدثًا عن «آفاقا أوسع» في السوق الصينية، وداعيًا إلى توسيع التعاون لتشمل التجارة والزراعة والرعاية الصحية والسياحة وإنفاذ القانون للحصول على «نتائج مربحة للجانبين».
وفرضت الحرب ضد إيران والحصار الناتج عنها في مضيق هرمز نفسها على أجندة المحادثات، حيث دخل ترمب القمة آملاً في تعاون صيني لتحقيق الاستقرار في سوق النفط.
ونقل ترامب عن شي قوله إنه يود رؤية مضيق هرمز مفتوحاً، مضيفاً: «إذا كان بإمكاني تقديم أي مساعدة على الإطلاق، فأنا أود المساعدة».
وفي المقابل، أصدرت الخارجية الصينية بيانًا الجمعة دعت فيه إلى «وقف إطلاق نار شامل ودائم»، مشددةً على ضرورة إعادة فتح الممرات الملاحية في أسرع وقت.
وتعد هذه الصراعات تحديًا للاقتصاد الصيني أيضًا، إذ أدت تقلبات أسعار النفط واضطراب الملاحة إلى زيادة تكاليف الاستيراد.
خط تايوان الأحمر ومستقبل الهدنة
وارتبط ملف تايوان بالمسار الاقتصادي الأوسع خلال هذه القمة. حيث نقلت وسائل الإعلام الرسمية الصينية عن شي تحذيره الصارم بأن «قضية تايوان هي المسألة الأهم في العلاقات الصينية الأمريكية»، محذرًا من أنه «إذا أُسيء التعامل معها، فقد تتصادم الدولتان أو تدخلان في صراع».
وأشار شي إلى الاتفاق على «موقع جديد» للعلاقات يرتكز على «الاستقرار الاستراتيجي البناء».
ولا يزال الغموض يُحيط بمستقبل الهدنة التجارية التي أُبرمت في أكتوبر الماضي، والتي علقت واشنطن بموجبها الزيادات الحادة في الرسوم الجمركية على السلع الصينية، مقابل تراجع بكين عن تقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة الحرجة للصناعة.
وأوضح الممثل التجاري الأمريكي جاميسون غرير لشبكة بلومبيرغ أنه لم يُتخذ قرار بعد بشأن تمديد هذه الهدنة التي تنتهي في نوفمبر المقبل.
وفي مسعى لإدارة العلاقة بعيدًا عن مفاوضات التعريفات الشائكة، أعلن البيت الأبيض اتفاق الزعيمين على تأسيس «مجلس للتجارة».
كما توقع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إحراز تقدم في آلية لدعم الاستثمارات المستقبلية، رغم تحذيرات المسؤولين الأمريكيين من حجم العمل المطلوب قبل سريان هذه الإعلانات.
ومن المتوقع أن تستمر النقاشات بين الجانبين تحضيرًا لقمة البيت الأبيض المرتقبة في سبتمبر، على أمل تحقيق اختراق تجاري حقيقي استعصى إنجازه في رحلة بكين الأخيرة.

