شهدت الأسواق العالمية تحولات لافتة خلال تعاملات الخميس، بعدما انعكس الإعلان عن اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران على حركة السلع الرئيسية، إذ صعد الذهب مستفيداً من تراجع أسعار النفط وانخفاض توقعات التضخم، بينما تعرضت أسواق الطاقة لضغوط بيعية قوية مع تنامي الرهانات على عودة الإمدادات الإيرانية واستئناف الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز.
وفي الوقت ذاته، بقيت قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وتوقعات أسعار الفائدة عاملاً مؤثراً في توجيه مسار المستثمرين بين الأصول المختلفة.
الذهب يعوض خسائره بعد موجة بيع حادة
ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 1% خلال تعاملات الخميس، لتستعيد جزءاً من خسائرها التي تكبدتها في الجلسة السابقة عقب صدور إشارات متشددة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن السياسة النقدية.
وصعد الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1% ليصل إلى 4298.48 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 06:16 بتوقيت غرينتش، بعد أن كان قد تراجع بنسبة 1.7% في جلسة الأربعاء. وفي المقابل، انخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 1.4% لتسجل 4318.10 دولاراً للأوقية.
وأوضح كبير محللي الأسواق في شركة “أواندا” كيلفن وونغ أن الارتفاع الحالي يعكس عمليات تغطية لمراكز البيع بعد التراجعات الحادة التي شهدها المعدن النفيس في الجلسة السابقة، مشيراً إلى أن انخفاض أسعار النفط نتيجة التطورات السياسية في الشرق الأوسط وفر دعماً إضافياً للأسعار.
اتفاق أميركي إيراني مؤقت يضغط على أسواق الطاقة
في المقابل، تعرضت أسعار النفط لموجة هبوط قوية بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق مؤقت يمدد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً إضافية، بما يتيح للطرفين استكمال المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب بشكل نهائي.
وانخفض خام برنت بأكثر من دولارين للبرميل، متراجعاً بنسبة 2.69% إلى 77.41 دولاراً، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3.07% إلى 74.43 دولاراً للبرميل.
وسجل الخامان أدنى مستوياتهما منذ الأيام الأولى للحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى خلال شهر مارس الماضي، في ظل تنامي توقعات الأسواق بعودة الإمدادات الإيرانية تدريجياً إلى الأسواق العالمية.
وتضمنت مذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً إعادة تشغيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل كامل خلال 30 يوماً، والسماح بمرور السفن دون رسوم خلال فترة التفاوض، ما عزز الرهانات على تحسن تدفقات النفط والغاز العالمية خلال الفترة المقبلة.
عودة النفط الإيراني تثير تساؤلات حول مستقبل الأسعار
يرى محللون أن احتمالات عودة الصادرات الإيرانية إلى الأسواق العالمية أصبحت عاملاً رئيسياً في الضغط على أسعار الخام، إلا أنهم استبعدوا حدوث انهيار سريع للأسعار بسبب استمرار بعض القيود اللوجستية والمخاطر الجيوسياسية.
وقال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة “آي جي”، إن موجة البيع الحالية تعكس استعداد الأسواق لاحتمال عودة النفط الإيراني بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً عقب توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.
من جانبه، أشار الرئيس التنفيذي لشركة “إكس أناليستس” لاستشارات الطاقة موكيش ساهديف إلى أن حجم النفط العائد إلى السوق قد يكون أقل من التوقعات، نظراً إلى استمرار بعض الصادرات عبر مسارات بديلة خلال فترة الأزمة، إضافة إلى حذر شركات الشحن من العودة الكاملة إلى المنطقة قبل التأكد من استقرار الاتفاق.
وأضاف أن نمو الطلب العالمي على النفط قد يظل أسرع من نمو المعروض خلال المدى القريب، وهو ما قد يمنع الأسعار من العودة سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب.
وكالة الطاقة الدولية تتوقع فائضاً كبيراً في المعروض
وفي تطور لافت، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يؤدي نجاح الاتفاق الأميركي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز إلى تحول سوق النفط العالمية من حالة شح الإمدادات الحالية إلى فائض كبير خلال السنوات المقبلة.
وأشارت الوكالة في تقريرها الشهري إلى أن الفارق بين العرض والطلب قد يصل إلى نحو 5.05 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، مدفوعاً بعودة إنتاج الشرق الأوسط بكامل طاقته وارتفاع مستويات الإمدادات العالمية.
وتعد هذه التوقعات من أبرز المؤشرات التي دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في أسواق الطاقة خلال الساعات الماضية.
الفيدرالي الأميركي يواصل التأثير على الذهب والنفط
ورغم الدعم الذي تلقاه الذهب من تراجع النفط، فإن توقعات السياسة النقدية الأميركية ما زالت تحد من مكاسبه.
وأشار كيلفن وونغ إلى أن الأسواق عادت لتسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترة المقبلة، وهو ما يضع سقفاً لموجة الصعود الحالية في الذهب.
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75% خلال أول اجتماع يعقد برئاسة كيفن وارش، بينما أظهرت توقعات أعضاء المجلس أن 9 من أصل 19 مسؤولاً يتوقعون رفع الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام.
كما أظهرت بيانات خدمة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة “سي إم إي” أن احتمالات رفع الفائدة خلال ديسمبر ارتفعت إلى 85% مقارنة بـ61% فقط قبل صدور قرار الفيدرالي الأخير.
ويشكل ارتفاع أسعار الفائدة ضغطاً تقليدياً على الذهب، باعتباره أصلاً لا يدر عائداً، كما يثير مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وتراجع الطلب على الطاقة.
المعادن النفيسة الأخرى تسجل مكاسب جماعية
ولم يقتصر الارتفاع على الذهب فقط، إذ سجلت المعادن النفيسة الأخرى أداءً إيجابياً خلال تعاملات الخميس، حيث ارتفعت الفضة بنسبة 1% لتصل إلى 68.69 دولاراً للأوقية، وصعد البلاتين بنسبة 0.9% إلى 1752.45 دولاراً، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 1.3% ليسجل 1329.64 دولاراً للأوقية.
خاتمة
تعكس تحركات الأسواق الحالية حجم التأثير الذي أحدثه الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران على المشهد الاقتصادي العالمي، إذ أعاد تشكيل توقعات المستثمرين تجاه أسواق الطاقة والمعادن النفيسة في آن واحد. وبينما يراهن المتعاملون على عودة تدريجية للإمدادات النفطية وتراجع مخاطر نقص المعروض، تبقى قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والتطورات السياسية في الشرق الأوسط العامل الحاسم في تحديد اتجاهات الأسواق خلال الأشهر المقبلة، وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه مفاوضات الستين يوماً بين واشنطن وطهران.

