تحت الرمال الصامتة والجبال الوعرة للدرع العربي، كان هناك محرك اقتصادي هائل ينتظر لحظة الانطلاق. واليوم، لم تعد المملكة تكتفي بمجرد استكشاف أراضيها، بل تحولت إلى قوة جذب تعيد توجيه بوصلة الاستثمار التعديني العالمي نحوها، وبتشريعات حاسمة ومسح جيولوجي دقيق، بدأت الثروات النائمة في باطن الأرض تتحول إلى سلاسل قيمة متكاملة تضع الاقتصاد الوطني في قلب المنافسة الدولية.
وقد دخلت المملكة العربية السعودية رسميًا قائمة الدول العشر الأوائل عالميًا في مؤشر جاذبية الاستثمار التعديني، محتلة المركز العاشر وفقًا للمسح السنوي لشركات التعدين لعام 2025 الصادر عن معهد «فريزر» الكندي.
يمثل هذا الإنجاز قفزة هائلة بواقع 94 مرتبة مقارنة بعام 2013، وتقدمًا سريعًا بـ 13 مركزًا في غضون عام واحد فقط بعد أن كانت في المركز 23 خلال عام 2024.
بيئة تشريعية تُمهد للإنجاز
لم يكن هذا الصعود وليد الصدفة، بل جاء مدفوعًا بتحول جذري في البيئة التنظيمية. فقد قفزت المملكة إلى المركز الرابع عالميًا في مؤشر السياسات والتشريعات لعام 2025، متقدمة من المركز 20 في العام السابق، لتسجل صعودًا إجماليًا بلغ 78 مرتبة منذ عام 2013 الذي كانت تقبع فيه بالمركز 82، الأمر الذي يعكس تنامي الثقة الدولية في البيئة التشريعية السعودية، وهو ما تُرجم عمليًا على الأرض ببلوغ عدد الرخص التعدينية الفاعلة 2925 رخصة.
إمكانات جيولوجية
وعلى صعيد المؤشر الخاص بالإمكانات الجيولوجية، حسنت المملكة تصنيفها العالمي لتصل إلى المركز 16 في عام 2025، صعودًا من المركز 24 في 2024، ومقارنة بالمركز 58 في عام 2013. وهو ما استند إلى وتيرة العمل المتسارعة في برنامج المسح الجيولوجي العام، والذي أنجز مستهدفات مرحلته الأولى بتغطية 65% من مساحة الدرع العربي البالغة 630 ألف كيلومتر مربع.
مسح جوي وثروات نائمة
وتعزيزًا لجمع البيانات الدقيقة، تم إطلاق المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع المسح الجيوفيزيائي الجوي للدرع العربي بقيمة تتجاوز 135.7 مليون دولار. وينفذ المشروع تحالف دولي يغطي أكثر من 1.7 مليون كيلومتر طولي، لتوفير بيانات جيولوجية وجيوكيميائية عالية الدقة تتوافق مع أحدث المعايير العالمية.
وقد أسفرت هذه التحركات الاستراتيجية عن رفع القيمة التقديرية الكامنة للثروات المعدنية في المملكة لتصل إلى 2.5 تريليون دولار.
وفي تفصيل هذه الثروات، سجلت التقديرات الجيولوجية في منطقتي الباحة ونجران وحديهما قفزة وصلت إلى 136.5 مليار دولار، حيث بلغت حصة الباحة 76 مليار دولار، في حين ارتفعت تقديرات نجران إلى أكثر من 60.5 مليار دولار.
مجمعات داعمة وأحزمة متمعدنة
وتحتضن منطقة الباحة حاليًا 19 مجمعًا تعدينيًا لمواد البناء تدعم المشاريع التنموية، بينما تضم منطقة نجران 4 مواقع احتياطية وأحزمة كبريتيدية متمعدنة، إلى جانب 27 مجمعًا تعدينيًا لدعم الاستغلال الاستراتيجي لتلك الموارد.
وفي خطوة تنقل القطاع من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج، مُنحت رخص كشف لأول أحزمة متمعدنة في المملكة تغطي مساحة 4788 كيلومترًا مربعًا.
وتوزعت هذه الرخص بين حزام «جبل صايد» بالمدينة المنورة وحزام «الحجار» في منطقة عسير، وهي مواقع تزخر بترسبات غنية من النحاس، الذهب، والفضة، والرصاص، والزنك.
وتؤكد الأرقام بوضوح قاطع أن المملكة لا تحفر الأرض بحثًا عن صخور، بقدر ما هي تُعيد صياغة دور قطاع التعدين ليصبح الركيزة الثالثة للصناعة الوطنية، محولة إمكانات كامنة تتجاوز 2.5 تريليون دولار إلى واقع اقتصادي صلب يفرض نفسه على خارطة الإمداد العالمية.

