قدمت دراسة علمية حديثة أُجريت على الفئران تفسيرًا لغزًا حير الكثيرين حول سبب نسياننا لتفاصيل طفولتنا المبكرة، كاشفةً أن مركز الذاكرة في الدماغ لا يولد كـ «لوحة فارغة»، بل يبدأ حياته مكتظًا بالروابط العصبية المتشابكة عشوائيًا.
ركزت الأبحاث، التي نُشرت في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، على منطقة «الحُصين» العميقة في الدماغ والمسؤولة عن تكوين الذكريات، حيث وجد العلماء أن الشبكات العصبية في بداية الحياة تكون شديدة الكثافة، مما يجعل أي محفز بسيط قادرًا على تنشيط الخلايا بسهولة، وهو ما يؤدي إلى تداخل الذكريات وصعوبة التمييز بينها.
وأوضح الباحث المشارك في الدراسة بيتر جوناس، أن الدماغ يبدأ عمله كـ «لوحة ممتلئة»، ومع تقدم العمر ونضوج النظام العصبي، تبدأ عملية التخلص من هذه الروابط الزائدة لتصبح أقل عددًا ولكن أكثر دقة وتنظيمًا، ما يسمح بتكوين شبكات منفصلة تترجم لاحقًا إلى ذكريات محددة ومستقرة يمكن استرجاعها.
تفسر هذه الطبيعة البيولوجية عجزنا عن تذكر سنوات المهد، حيث تكون الذكريات الأولى غير واضحة المعالم وتفتقر إلى الدقة اللازمة للاحتفاظ بها على المدى الطويل، فبدلًا من تكوين ذكريات دقيقة لموقف معين، يكوّن الدماغ استجابات عامة وفضفاضة تتداخل مع تجارب أخرى مشابهة.
ورغم أن هذا التشابك المبكر والمفرط يعيق دقة الذاكرة طويلة الأمد، إلا أنه يمنح الدماغ أفضلية حيوية هامة تتيح للخلايا العصبية التواصل السريع لربط المعلومات الأساسية مثل الأصوات والروائح، لضمان تكيف الرضيع مع محيطه قبل أن يعيد الدماغ هندسة دوائره بدقة لخدمة الذاكرة في مراحل العمر اللاحقة.

