د. ناهد باشطح
إعلامية ومدربة في التشافي الذاتي، بدات الصحافة عام 1985 وحصلت على ثلاث جوائز دولية في الإعلام
فاصلة:
“نحن البشر ، نعاني مشكلتين كبيرتين: الأولى ، ان نعرف متى نبدأ، والثانية ، أن نعرف متى نتوقف ” -حكمة برازيلية-
******
الإنقطاع عن الكتابة والعودة لها هو ما يسميه البعض بالسكتة الكتابية وهو ماحدث معي حيث اعتذرت عن الكتابة في جريدة الجزيرة عام 2017م
كان الشاعر «صامويل كوليردج» قد عبر عن هذه الحالة في مذكراته عام 1804 بقوله: (مر عام كامل لم أكتب فيه شيئاً، يا للأسف ويا للعار، لقد أصبحت خالي الوفاض وأزمتي الحقيقية تكمن في عجزي عن رفع يدي للتضرع إلى الله لأكتب من جديد)
وفي التاريخ الغربي والعربي أمثلة عديدة لهذه السكتة سواء كانت دائمة مثلما حدث مع “عادل كامل” زميل “نجيب محفوظ” او الشاعر رامبو الذي توقف نهائيا عن كتابة الشعر
او بصفة مؤقتة مثل الروائي نجيب محفوظ الذي توقف بعد نشره للثلاثية لفترة طويلة او “جيرومي سالنجز” الذي توقف عن الكتابة ثلاثين عاما بعد نشره لأربع كتب هامة.
لكن لماذا تحدث السكتة الكتابية ؟
تقول الكاتبة ” باسمة يونس” في احد مقالاتها أن علماء النفس يرجعون سكتة الكتابة إلى كيمياء المخ بوصول الكاتب إلى حالة من الارتباك والتشتت تمنعه من الاستمرار في الكتابة.
بالنسبة لي ربما فقدي لزوجي ثم والدي – يرحمهما الله – أربك عقلي وقلبي، لم أقرر البعد أو الهجران كنت أشعر فقط باللاجدوى ، لكن الكتابة مثل معظم الأشياء في الحياة إذا بدأتها بالغياب تتعوده الروح ثم لا تعرف كيف تعود بسهولة.
أيضاً، وقت انتشار مواقع التواصل الإجتماعي شعرتْ باللاجدوى ، ما جدوى أن نكتب والناس مشغولون بأخبار الآخرين؟ ماجدوى أن تتحدث عن القيم والمبادئ أو حتى عن هموم الناس ، والناس تلهث وراء رزقها أو حتى خلف لا شيئ، فقط إدمان متابعة أخبار الناس أو نشر اليوميات
إذاً فلماذا أعود فاكتب بعد انقطاع ست سنوات ؟
أولاً: لأنني ألبّي دعوة كريمة من صحيفة الوئام لانتشالي من دائرة الغياب وهي دعوة كريمة تفضلت الصحيفة بها علي.
ثانيا: لأني اعترف بأن ممارسة الكتابة كانت تحدث المتعة والبهجة في حياتي بشكل لم أكن اتوقعه الا عندما أدمنت الغياب، وفارقني الشغف الذي يعتبره الكاتب البرازيلي “باولو كويلو” مدمر لكل ما يتعلق بالماضي ولذلك يخشاه الذين يتشبثون بالماضي .
نعم ممارسة الشغف يجعلك أكثر قربا للمستقبل، لذلك الذين يعملون ما لا يحبون لا يستطيعون الا البقاء في التفكير في الماضي فلا يتطور عملهم ولا يقفزون الى المستقبل مادامت أدواتهم قابعة في الماضي، هؤلاء لو وجدوا شغفهم لاستطاعو مداواة جراح الماضي.
وثالثا وعاشراً وأخيراً أعود لأكتب لأني أريد أن أتنفس ما امتلأت به رئتاي من شهيق بدأـه في عالم الصحافة منذ عام 1985م ولا أريد أن تموت روحي بهذا الغياب
لطالما تخيّلت نفسي أكتب ولم أتخيلني قط بلا قلم أو ورقة ، بلا التزام يومي أو أسبوعي، بلا موعد مع القراء الذين صنعوا لي حلماً لطالما أحببته.
أعود للكتابة اليوم وأتذكر وجه أبي -يرحمه الله- الذي كان يفرح بمقالاتي ويحرص أن يقتني لي مكتبة تضم أحدث الكتب التي يشتريها لي من كل مكان في العالم نزور فيه المكتبات معاً
أعود للكتابة اليوم وأتذكر وجه زوجي -يرحمه الله- الذي كان يقرأ مقالاتي باعتزاز وفخر .
اعترف بان سنوات الفقد اشعرتني باني كبرت كثيراً، وفارقت أجمل سنوات الدهشة، وقد كان الفقد موجعا لأني أيضا فقدت رفقة الكتابة، تلك الرفقة التي كانت تضمد الجراح حينما تحمل الأحرف ما تعجز عنه وسائل التعبير البديلة.
وانا اكتب هذه المقالة استعدت اهتمامي بافكاري، استعدت سعادتي بأن ثمة من يهتم لما اكتب فثروة الكاتب الحقيقية ليست مقالاته بل قرائه.
سأكتب عن سنوات كنت فيها في صفوف المشاهدين في مسرح الحياة، كيف كنت أبكي تارة وكيف كنت تارة أصفق بحرارة للممثلين، وكيف كنت اودع الذين رحلوا واستقبل الذي قرروا ان يدخلو المسرح مشاهدين او ممثلين، بينما انتقلت الى دور المخرج للمسرحية.
ولذلك من المهم أن يعرف كل انسان كيف يكون الكاتب والمخرج لمسرحية حياته
ولعلني أعاهد نفسي أن أعود لكم بالجديد ، فقد ولدت من رحم تجربة عميقة
ربما تساعدوني باقتراحاتكم وربما أساعد نفسي بالبحث والتجديد للعودة للكتابة بروح جديدة

