انتهت الهدنة السياسية المعلنة في فرنسا خلال دورة الألعاب الأولمبية، ومن الآن فصاعداً، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مُطالب بتعيين رئيس للوزراء وحكومة بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في يوليو الماضي، وبدأ الوقت ينفد بالنسبة إلى ماكرون الذي لا يُريد رئيس حكومة من اليسار، بل يرغب أن يكون من اليمين المعتدل أو وسطياً.
وفي السياق، يرى كارزان حميد، الخبير في الشأن الفرنسي، أن ربط أولمبياد باريس بتشكيل الحكومة الجديدة، كان بدعة من الرئيس الفرنسي، بهدف تجاهل مرشّح تحالف اليسار، المتمثّل في الجبهة الشعبية، ولكي لا يقع ماكرون تحت رحمة حكومة معاكسة للنظام الرئاسي الذي يتبنّاه منذ 2017.
تجاهل اليسار
ويذكر كارزان حميد، في حديث خاص لـ”الوئام”، أن “تجاهل ماكرون هدفه انقسام تحالف اليسار إلی جماعات صغيرة والذي يتكون من الحزب الاشتراكي والشيوعيين والحزب الخضر، مقابل حزب فرنسا الأبية ’اليسار الراديكالي’، لكن تٲكيد اليسار علی لوسي كاستيه، كمرشح وحيد له، يجعل من مهمة الرئيس الفرنسي صعبة للغاية”، منوهاً بأن ماكرون يريد أن يكون رئيس قصر ماتينيون (مقر الحكومة) من اليمين المعتدل أو وسطياً كأسوأ تقدير.
مهلة أسبوعين
ويضيف الخبير في الشأن الفرنسي أن الرئيس الفرنسي أمامه مهلة لمدة أسبوعين، أي إلى منتصف سبتمبر المقبل، لكي تخرج الحكومة للنور، لأنّه لا يمكن اختيار الصمت طوال الوقت.
انسداد سياسي
ويشير حميد إلى أنه من الناحية القانونية والدستورية، تعيش باريس في حالة انسداد سياسي، فمنذ أكثر من شهر لا توجد حكومة فعالة، ولا توجد رقابة علی السلطة التنفيذية من قِبل البرلمان، ربما هذا يرجع للعطلة الصيفية وترتيبات الألعاب الأولمبية في باريس، وخلال الأيام المقبلة، ستحرّك الجبهة الشعبية المياه في البركة الراكدة، ويبدأون بالضغط علی الرئيس لإنهاء ذلك الصّمت المستمر من شهر، لكي يوضّح موقفه النهائي، مؤكداً أن كلمة الفصل ستكون للجبهة الشعبية الجديدة، وقد نشهد أحداثاً لا تُحمد عقباها.

ورطة الرئيس
ويوضح الخبير السياسي أن ورطة الرئيس الفرنسي بدأت عندما ألغی البرلمان والحكومة، والآن يحاول إيجاد مخرج من تلك المأزق بشتّی الطرق، لكن طريقته متعنّتة، ويفرض آراءه علی التحالفات الأخری، وفي النهاية، قد يخسر الرئيس ماكرون مقعده في الإليزيه، لأنّ الفرنسيين بالرغم من صبرهم الطويل، باستطاعتهم تخريب وإدخال البلاد كلها في نفق مظلم، ورأينا ذلك عندما أضربت نقابات السكك الحديدية كليا في عام 2019 لمدة 3 أشهر، وتوقّفت الحياة في باريس بشكل مخيف.
نار الغضب
ويتابع حميد: “علی أحد الطرفين، سواء الرئيس أو تحالف اليسار، الرضوخ للآخر، وأعتقد أن الخيار الأقرب للتطبيق رضوخ ماكرون في الأخير، خاصة إذا مسّت نار الغضب مقعده الرئاسي”.
خياران لا ثالث لهما
ويختتم حديثه قائلا: “باختصار شديد، الرئيس الفرنسي أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الأول أن يقبل بمرشح تحالف اليسار لوسي كاستيه، وتشكيل حكومة جديدة، قبل نهاية العام الجاري، والخروج من هذا الانسداد السياسي، وتقبل حكومة مغايرة لتوجهات الرئيس، والخيار الآخر البقاء علی الوضع كما هو عليه، والإطاحة بالرئيس الفرنسي خلال الأشهر المقبلة، وباعتقادي الخيار الأخير أقرب للواقع الفرنسي، وكل الدلائل تشير إلى عدم تمكّن الرئيس الفرنسي من إكمال دورته الرئاسية الثانية، لأن ساسة فرنسا يتميزون بالعناد السياسي.”

