د. سلمان بن سعود العتيبي – أستاذ مشارك في إدارة السياحة والضيافة
في عصر يبحث فيه السياح عن تجارب أصيلة تتجاوز المعالم المادية، يلعب التراث الثقافي غير المادي دورًا محوريًا في إثراء التجربة السياحية. فعندما يشارك السائح في فن أدائي، أو يتذوق طبقًا معدًا بوصفة تقليدية، أو يتعلم حرفة يدوية في إحدى القرى، فإنه لا يكتفي بالمشاهدة، بل يغوص في أعماق الثقافة المحلية ليعيشها ويشعر بها. ورغم هذا الدور المهم، يظل التراث الثقافي غير المادي يعاني من قلة تسليط الضوء عليه إعلامياً، مما يحول دون وصوله إلى المكانة التي يستحقها في المشهد السياحي.
تشمل نطاقات التراث الثقافي غير المادي مجموعة متنوعة من العناصر التي تعبر عن هوية المجتمعات، وهي: التقاليد الشفهية التي تنقل القصص والأمثال والحكمة الشعبية، الفنون الأدائية مثل الرقصات والغناء التقليدي، الممارسات المرتبطة بالطبيعة والكون كالعادات الزراعية واستخدام النجوم في التنقل، الممارسات والطقوس الاجتماعية التي تشمل الاحتفالات والأعياد، والحرف اليدوية التي تعكس الإبداع المحلي.
تؤثر هذه النطاقات بشكل مباشر على التجربة السياحية، حيث تمنح الزائر فرصة للانغماس في الثقافة المحلية عبر التفاعل مع سكانها، سواء بالاستماع إلى قصصهم، أو تعلم مهارات تقليدية، أو المشاركة في احتفالاتهم، مما يخلق تجربة أصيلة ومليئة بالتفاصيل التي تبقى عالقة في الذاكرة.
زرت بالأمس الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية ومعرض عالم التمور، حيث اكتشفت الجوانب الغنية للتراث الثقافي غير المادي. أثناء تجولي في معرض الحرف اليدوية، استمتعت بالأهازيج التي يلقيها الحرفيون أثناء عملهم، والتي تعكس ارتباطًا عميقًا بثقافتهم وإبداعهم.
وفي معرض عالم التمور، تعرفت على الممارسات التقليدية المرتبطة بهذه الثمرة الغنية، بدءًا من طرق تقديمها وحتى تفاصيل تحضيرها. لم تقتصر التجربة على مشاهدة المعروضات، بل شعرت بروح المجتمع من خلال ترحيب المنظمين الحار والعبارات الشفهية الجميلة التي ألقوها لتحية الزوار، مما جعلني أعيش تجربة ثقافية أصيلة تربط بين الماضي والحاضر بكل تفاصيلها.
ورغم التحديات التي تواجه التراث الثقافي غير المادي، تسعى وزارة الثقافة إلى تعزيز حضوره وحمايته، حيث أطلقت مؤخرًا مشروعًا في محافظة الأحساء يهدف إلى حصر وتوثيق وأرشفة التراث الثقافي غير المادي. هذه المبادرة تعكس جهود الوزارة بالحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز حضورها في المشهد المحلي والعالمي، مما يساهم في إبراز غنى تراثنا.
إن الأثر الكبير الذي يتركه التراث الثقافي غير المادي في إثراء التجارب السياحية وتعزيز ارتباط الزوار بثقافتنا العريقة، يؤكد أهمية العمل على تعزيز حضوره في فعالياتنا السياحية المستقبلية. يمكن تحقيق ذلك من خلال تنظيم المزيد من الأنشطة التي تسلط الضوء على الممارسات التقليدية، ودعم الحرفيين والممارسين لتقديم خبراتهم بشكل مباشر للجمهور.

