د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى بمكة
تباينت مواقف الدول من العملية في شمال سوريا التي أتت بعد يوم واحد من وقف النار في جنوب لبنان، استبقت تركيا قيام إسرائيل بعمليات داخل سوريا بعدما هدد نتنياهو الأسد بانه يلعب بالنار عندما رفض بشار الأسد إخراج إيران من سوريا التي تعتبر إسرائيل أنها تهدد أمنها، وفي نفس الوقت حاول أردوغان مطالبة الأسد بالجلوس على طاولة المفاوضات من أجل التطبيع مع تركيا لتخلص تركيا من عبئ اللاجئين السوريين الذي يبلغ عددهم 3 ملايين سوري، لكن بشار الأسد رفض حتى تحقق تركيا شرطين الانسحاب من الأراضي السورية، ووقف دعم هيئة تحرير الشام، فيما وزير خارجية تركيا يؤكد ان الانسحاب إذا تم تأمين حدود تركيا.
بالطبع استثمرت هيئة تحرير الشام انهيار حزب الله ومرور إيران بأضعف مراحلها، وانشغال روسيا في أوكرانيا، وسحب معظم طائراتها من قاعدة حميميم التي كان يبلغ نحو 30 طائرة، فهي بيئة جاهزة لهذا الهجوم الذي استخدم فيه نظام المسيرات لتأمين استعادة المناطق التي كانت تسيطر عليها في 2019، واستعادها النظام السوري عبر طائرات الجيش الروسي.
هناك ترابط عميق بين النزاعات الإقليمية والدولية، يعيد تشكيل التحالفات تقود إلى تغيير رسم الخرائط، وسط تغيرات جيوسياسية سريعة تضرب المنطقة وسط تفاهم دولي يختلفون في التفاصيل الذي كان سبب في فشل التوصل إلى تسويات سياسية في سوريا من قبل المجتمع الدولي، ولا ينفصل ذلك أيضا عن مطلب فصل الوجود الإيراني عن المنطقة، خصوصا وأن النظرية السياسية الواقعية فشلت في استيعاب ما يحدث على الأرض السورية التي تعتمد على فهم توازن القوى والمصالح، مما يضطرها التوجه نحو نظرية اللعبة التي تقدم إطارا لفهم القرارات الاستراتيجية للقوى المتصارعة، من أجل استيعاب ما يحدث على الأرض.
فبعدما كانت ترفض تركيا طلب الجولاني باقتحام شمال سوريا واستعادة الأراضي التي استعادها النظام من الفصائل التي كانت تسيطر عليها عام 2019، بسبب الخاصرة الرخوة لتركيا في وجود 3 ملايين لاجئ سوري، جعلت تركيا تغض الطرف عن هجوم هيئة تحرير الشام شمال سوريا، بعدما تم إعادة تأهيل تلك الجماعة وتغيير خطابها الممنهج الذي مارسته في الماضي واعتبار المقاتلين جنود، وطمأن الجولاني الجميع، وبشكل خاص الأقليات عندما قال نحن لا نستهدف سوى إيران ومليشياتها وحزب الله، وهذا يفسر الانسحاب السوري دون مواجهة مع هيئة تحرير الشام، على غرار انسحاب الجيش العراقي في الموصل عام 2014، وترك أسلحة قوات الجيش لداعش، لكن الفرق أن هيئة تحرير الشام لا تعلن إقامة الخلافة وهدفها وطني منحصر في سوريا.
هذا التقدم الأول منذ مارس 2020 عندما اتفقت روسيا التي تدعم نظام بشار السد وتركيا التي تدعم الفصائل السورية على وقف إطلاق النار، ووقف المواجهات في آخر معقل كبير للمعارضة في شمال غرب سوريا، وعقدت نحو 20 جولة في استانا الكاسختانية والتي بدأت عام 2017 باجتماع الدول الضامنة روسيا وتركيا وإيران، وهناك تنافس روسي إيراني في سوريا، لكن روسيا تستفيد من إيران لتقلق أمريكا في سوريا، والتنافس لا يعني القطيعة في إطار التخادم في المصالح والتقاسم، اليوم انقلبت الآية، وأصبحت أمريكا تتكئ على تركيا التي بدورها تتبرأ مما يدور في سوريا، وتحمل هيئة تحرير الشام المسؤولية، وتود إخراج المليشيات الإيرانية من القرى السبع في شرق الفرات في دير الزور وهي قرى استراتيجية الحسينية، مظلوم، حطلة، الصالحية، مراط، وفشلت سوريا الديمقراطية ( قسد ) من تحرير هذه القرى السبع، ما جعل التحالف يقوم بضربات على المليشيات الإيرانية المتمركزة في تلك القرى الاستراتيجية.
ولا زالت روسيا تعمل على استعادة دورها في سوريا، رغم انشغالها في حرب أوكرانيا، لكن بوتين حقق حلما لم يحققه الأباطرة والقياصرة الروس تاريخيا في الوصول إلى المياه الدافئة، فلن يتنازل بوتين عن وجود قاعدة في حميميم وطرطوس، مما يجنب السفن الروسية في العودة إلى قواعدها في البحر الأسود عبر المضائق التركية، لذلك أعلنت الخارجية الروسية انها تعمل على قدم وساق في إطار عقد اجتماع بشأن سوريا بصيغة استانا.
أيضا ما يجري في سوريا كذلك لا ينفصل عن التغيرات العالمية بأن هناك قلق من تعثر الاقتصاد العالمي نتيجة اختناق سلاسل الإمداد ما يشجع على دعم قيام طرق بديلة عبر الحزام والطريق والممر الهندي الأوروبي يربط الشرق بالغرب، وأمريكا في شرق سوريا التي تحمي وتدعم الأكراد لمنع عبور الممر الإيراني البري إلى البحر المتوسط ونقل أنوبوب غاز، تقنع تركيا أنه يضر بمصالحها، الذي تنوي تركيا بنقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبرها.
ما يعني أن الدول الإقليمية تتنافس فيما بينها، وتتفق في ملفات، وهي حليفة للولايات المتحدة عدا إيران التي تبحث عن علاقة مع أمريكا التي تعتبرها الأخيرة حليفة لروسيا والصين وكوريا الشمالية، خصوصا بعدما أصبح لبنان تحت الوصاية الأمريكية، بعد تلقي حزب الله اليد الطولى لإيران ضربات قاسية قضت عليه، على غرار فرس النبي الذي قامت به أمريكا من ضربات على الأسطول الإيراني عام 1988 أنهى الحرب العراقية الإيرانية، لكن السعودية ومصر متخوفتان من إسرائيل التي أنهكت قدرات حماس في التوجه نحو ضم غزة والضفة الغربية خصوصا وان وفد ترمب في إسرائيل يؤيدون اليمين الإسرائيلي الذين يطلقون على الضفة الغربية اسم يهودا والسامرة، وتود إسرائيل تحويل غزة إلى منطقة اقتصادية.
ما تحتاجه سوريا تقوية المجتمع المدني وليس التحول إلى مجتمع ديمقراطي لمجرد تغيير الوجوه كما في العراق، لابد أخذ الأمور في سياقها لأن تحقيق العدالة لا يحتاج إلى زمن لذلك الوضع في سوريا بحاجة إلى تعاون دولي لتحقيق مسار سياسي.

