فيصل الحمد خبير استراتيجي وعسكري
عنوان هذا المقال هي عبارة كانت محور حديث مع أحد الإخوة السوريين، وهو يهتف بها بفرح وحزن في آن واحد. فرحاً بزوال نظام الاسد الذي ظل جاثماً على صدر البلاد والعباد لعقود، وحزن على الثمن الباهظ الذي دفعه أبناء سوريا في سبيل هذه اللحظة. جميعنا نفرح لفرح اخواننا السوريين، ونبارك لهم سقوط النظام الجائر.
الحدث بلا شك ذو أهمية، ليس فقط لسوريا وشعبها، بل لتأثيراته الإقليمية والعالمية. فسوريا ليست دولة في منطقة نائية او جزيرة في وسط المحيط، بل هي لاعب محوري في قلب الشرق الأوسط.
على المستوى الاستراتيجي، يشير إسقاط نظام الأسد إلى تحول محتمل في موازين القوى الإقليمية. لقد ساهم السقوط في تقليص النفوذ الإيراني بشكل واضح، إذ أجبر الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني وحزب الله على الانكفاء، مما ساهم في اخراج النفوذ الإيراني من الأراضي السورية. ومع ذلك، يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا الانكفاء دائماً أم مؤقتاً، حيث تظل التحركات الإيرانية القادمة غامضة. لكن من المؤكد أن استعادة النفوذ الإيراني في سوريا لن تكون مهمة سهلة في ظل محاولات أطراف إقليمية ودولية ملء هذا الفراغ.
دور تركيا كان واضحاً في هذا التحول، إذ دعمت أنقرة الفصائل المسلحة التي قادت العمليات من إدلب. الأسلحة والتدريب والتمويل الذي قدمته تركيا لهذه الفصائل يشير إلى أهدافها الاستراتيجية المتعددة، بما في ذلك إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، مواجهة الأكراد في الشمال الشرقي، وحماية مصالحها الاقتصادية. ولا يمكن فصل هذه التحركات عن تصريحات الرئيس التركي في بداية هذا الشهر بشأن إطفاء الحريق في المنطقة، مما يعكس تنسيقاً دقيقاً بين الاستخبارات التركية وقيادات الفصائل المسلحة.
على الجبهة الأخرى، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها في شرق سوريا عبر دعمها لحلفائها الأكراد، قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تسيطر على مناطق استراتيجية تشمل حقول النفط. ويبدو أن واشنطن لا تنوي التخلي عن نفوذها في هذا الجزء من سوريا، حيث عززت وجودها عبر إرسال قوات إضافية من كردستان العراق. في الوقت ذاته، تستعد “قسد” لمعركة جديدة ضد الجيش السوري الحر، في مشهد يعكس صراعاً محتدماً على النفوذ.
أما روسيا، التي فقدت حليفاً أساسياً بسقوط نظام الأسد، فقد أكدت تمسكها بنفوذها الاستراتيجي في سوريا. التصريحات الروسية الصارمة، والتواجد العسكري في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية بالغرب السوري، توضح أنها لن تتراجع عن حماية مصالحها، مهما كانت التطورات على الأرض.
ومن جهتها، كثفت إسرائيل من عملياتها العسكرية في سوريا، حيث نفذت قوات الاحتلال أكثر من ثلاثمائة غارة جوية استهدفت القدرات العسكرية للجيش السوري، بما في ذلك القواعد الجوية، ومنظومات الدفاع الجوي، ومستودعات الأسلحة. كما تقدمت قواتها البرية شرق الجولان على خط فض الاشتباك للعام 1974، مبررة هذه التحركات بعدم السماح للجماعات المسلحة بالاستحواذ على هذه القدرات والحفاظ على امنها الوطني.
في سياق هذه التحولات، لا يمكن تجاهل الدور العربي في سوريا، الذي شهد زخماً في الفترة الأخيرة. إعادة دمشق إلى مقعدها في الجامعة العربية كانت خطوة مهمة، تعكس رغبة عربية في احتواء الأزمة ضمن إطار إقليمي بعيدًا عن الاستقطابات الدولية. كما أن التصريحات الدبلوماسية السعودية تسعى الى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وترفض الخطوات التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلية في منطقة الجولان المحتلة. ولم تتوقف الدول العربية عن تقديم الدعم للشعب السوري، سواءً عبر برامج إغاثية أو استضافة اللاجئين. ورغم التحديات الكبيرة التي يواجهها الحضور العربي في مواجهة قوى إقليمية، فإن تعميق هذا الحضور يبقى ضرورة لتحقيق التوازن والاستقرار في سوريا الجديدة.
في خضم هذا المشهد المتشابك من المصالح الإقليمية والدولية، يبقى التحدي الأكبر في سوريا هو تحقيق التوازنات المطلوبة لإعادة بناء سوريا الجديدة. إعادة الأمن والاستقرار، وتحقيق الرخاء والازدهار، ليست مهمة سهلة في ظل التعقيدات الراهنة، لكنها الخيار الوحيد لضمان مستقبل مشرق لسوريا وشعبها.

