عبود بن علي آل زاحم
الدنيا، بكل ما تحمله من أضواء وزينة، تخفي في طياتها حقيقة عميقة وصادمة: إنها فانية لا تستحق أن يكون الإنسان متشبثًا بها حد التعلق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم”، ليضع بين أيدينا خارطة طريق تعيننا على التمييز بين ما يستحق السعي وما يستوجب الحذر.
عندما ننظر إلى واقع الحياة نجدها مليئة بالإغراءات التي قد تُنسي الإنسان غايته الأساسية في هذه الحياة، وهي السعي لنيل رضا الله والاستعداد للدار الآخرة. بريق المال، المناصب، والشهرة يمكن أن يستهوي الإنسان، لكنه في نهاية المطاف لن يمنحه السلام الداخلي أو النجاة الحقيقية.
هذا الحديث الشريف ليس ذمًا للدنيا في ذاتها، ولكنه تنبيه لخطورة الانشغال بها عن الله. فاللَّعن هنا بمعنى أنها مبعدة عن الله إذا لم تُستغل في ذكره وطاعته.
لكن رحمة الله وسعت كل شيء، فجعل استثناءً واضحًا:
1. ذكر الله وما والاه: كل عمل يرتبط بالله ويهدف إلى طاعته يعدُّ من الأعمال التي تُبارك وتُثمر.
2. العالم والمتعلم: السعي وراء العلم، سواء كان علم الدين أو الدنيا، شرط أن يكون نافعًا وموجهًا لخدمة الإنسان وإصلاح حاله.
* الحذر من الانشغال بالمظاهر: الحياة الدنيا مليئة بالتحديات والاختبارات، وما لم يكن الإنسان واعيًا، فقد يجد نفسه غارقًا في سباق لا نهاية له.
* التركيز على العمل الصالح: ذكر الله، مساعدة الآخرين، طلب العلم، وتطوير الذات جميعها وسائل لتحويل الدنيا من ملعونة إلى جسر نحو الآخرة.
* التوازن في الحياة: ليس المطلوب الزهد المطلق أو ترك الدنيا تمامًا، ولكن المطلوب هو التعامل معها بوعي وحكمة، دون أن تأسر قلوبنا.
الحياة الدنيا أشبه بسفينة تمر في بحر متلاطم الأمواج؛ من يتشبث بها ظنًا أنها الغاية، يغرق، ومن يستعملها وسيلة للعبور بسلام، ينجو. فهل نحن ممن يتعلم من الحديث الشريف ويعيد النظر في أولوياته؟
“ومن كانت الآخرة همه، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.”

