د. نادر المطيري
مستشار وباحث في الشأن التعليمي و في تطبيقات أهداف التنمية المستدامة
في السنوات الأخيرة، أصبحت الاستدامة حجر الزاوية في استراتيجية الشركات، حيث التزمت الشركات عبر الصناعات المختلفة بالحد من البصمة الكربونية، وتبني الممارسات الأخلاقية، والاستثمار في الموارد المتجددة. بدا أن الارتفاع في المبادرات البيئية والاجتماعية والحوكمة ESG يبشر بعصر جديد حيث يمكن للربحية والمسؤولية الاجتماعية التعايش. مع ذلك، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع الحماس الأولي، ينشأ سؤال ملح: هل تفقد الاستدامة جاذبيتها؟
على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية، ظهر اتجاه مثير للقلق وهو تراجع الشركات الكبرى عن التزاماتها الطموحة في مجال البيئة والاجتماعية والحوكمة. مع ارتفاع أسعار النفط، قلصت شركات مثل BP وShell أهدافها المتعلقة بانبعاثات الكربون، بينما أرجأت شركة الأحذية Crocs هدفها المتمثل في صافي انبعاثات الكربون من عام ٢٠٣٠ إلى عام ٢٠٤٠. أثار التوسع السريع لشركة مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول أهدافها المتعلقة بخفض الكربون، كما تعمل شركات التكنولوجيا العملاقة مثل ميتا و جوجل على تقليص مبادرات التنوع والمساواة والشمولية. وتشير هذه التطورات إلى أن التكاليف المتصورة للاستدامة بالنسبة للعديد من الشركات بدأت تفوق الفوائد، في حين تزيد المخاوف المتزايدة بشأن التضليل البيئي من التحدي من خلال تثبيط الالتزام الكامل بمبادرات الاستدامة.
كما ارتفعت مخاوف قادة الأعمال والمستثمرين بشأن التضليل البيئي، حيث أعرب ٦٣٪ من المستجيبين في استطلاع أجرته جمعية شركات الاستثمار مؤخراً عن مخاوفهم بشأن الادعاءات البيئية المضللة. وتقود أوروبا المعركة ضد التضليل البيئي، حيث تفرض فرنسا وألمانيا قوانين صارمة وتوجيه المطالبات الخضراء للاتحاد الأوروبي لعام ٢٠٢٤ الذي يحدد معايير جديدة. ويتطلب هذا التوجيه إفصاحات مفصلة والتحقق من قبل طرف ثالث للمطالبات البيئية، ويفرض غرامات لا تقل عن ٤٪ من إجمالي المبيعات السنوية للمخالفات. كما يحظر مصطلحات مثل “محايد الكربون” أو “إيجابي الكربون” اعتباراً من عام ٢٠٢٦ ويحظر المطالبات القائمة فقط على تعويض الكربون. إن هذه التغييرات تحدث فرقاً بالفعل، فقد تخلصت شركة H&M من علامة “Conscious” بعد تحقيق، وأزالت Zalando أيقونات الاستدامة من موقعها على الإنترنت بعد أن وصفتها بأنها “مضللة”. تجد العديد من الشركات نفسها في موقف صعب – حيث تفشل في تحقيق أهداف الاستدامة الخاصة بها وتتردد في مشاركة تقدمها خوفاً من اتهامها بالتضليل البيئي.
لقد تعاملت العديد من الشركات مع مبادرات الاستدامة بشكل تفاعلي، مدفوعة بضغوط خارجية مثل التفويضات التنظيمية، أو توقعات المستهلكين، أو مطالب المستثمرين، بدلاً من دمج هذه الجهود في استراتيجياتها التجارية الأساسية. وعلى الرغم من هذه التحديات، لم تعد ممارسات الأعمال غير المستدامة قابلة للتطبيق، ولا يمكن لأي مجلس إدارة أو مستثمر مسؤول أن يتجاهل العواقب طويلة الأجل على كوكبنا أو سكانه. ولكن إلى أين نتجه من هنا؟
لذا لكي نحقق تقدماً حقيقياً، يتعين على الشركات أن تنظر إلى الاستدامة باعتبارها حافزاً للابتكار، وليس مجرد قضية امتثال. وهذا يعني تحويل التركيز من المقاييس القصيرة الأجل مثل الأرباح الفصلية إلى الفوائد الطويلة الأجل مثل الحد من المخاطر، وتوقع الامتثال التنظيمي في المستقبل، وتعزيز سمعة العلامة التجارية. وينبغي للشركات أن تعطي الأولوية للشفافية والمساءلة من خلال تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس، والإبلاغ بانتظام عن التقدم، والمشاركة بنشاط مع أصحاب المصلحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التعاون مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية وغيرها من الشركات أمر ضروري لمعالجة التحديات العالمية المعقدة. ومن خلال تبادل المعرفة وتجميع الموارد، يمكن للشركات دفع الابتكار وتطوير الحلول التي تعود بالنفع على المجتمع والكوكب.
من الواضح أنه لضمان مساهمة الشركات بشكل إيجابي في التحولات المجتمعية، يتعين علينا أن نحقق التوازن الصحيح بين الربح والمسؤولية. دعونا نتخيل كيف يمكن أن يبدو مجتمع مزدهر وناجح في عام ٢٠٦٠ – مستقبل عادل حيث لا يكون ESG مجرد اتجاه عابر، ولكنه عنصر أساسي لبناء أعمال مرنة ومستقبلية تجعل الأجيال الحالية والمستقبلية فخورة.

