الدكتور رياض موسى سكران – الكاتب والناقد المسرحي
ثمّة مبنى يخطف الأنظار حالما تدخل إلى مدينة الرياض، مبنى “مطار الملك خالد الدولي”، إذ يمثل في طرازه نموذجا من ضمن أفضل نماذج فهم الحداثة في فن الهندسة المعمارية.
وبالإضافة إلى تميّز أسلوب المعمار في مطار الملك خالد، ومقاربته الهندسية التاريخية، وحداثته المتجلية في أبهى مظاهرها، فضلا عن موقعه الحضري المهم في العاصمة السعودية، باعتباره أيقونةً من أيقونات عمارة مدينة الرياض، يأتي دور وقيمة شكل المطار الهندسي الذي يمتد إلى أعماق جذور تاريخ وحضارة مدينة الرياض وإرثها وطبيعتها الإسلامية، فإنه ينفتح على تقنيات الحداثة في تشكيل المشهد المعماري.
وكأن هندسة مطار الملك خالد المميزة والاستثنائية على مستوى جمالها، تستحق أن تكون الواجهة الأولى التي تستقبل الزائر لهذه المدينة العريقة الموغلة في أعماق الحضارة والتاريخ، والمنفتحة على فضاءات التجديد والحداثة بكل معانيها، وأعترف أني، كمتلقٍّ، أغرمت وفتنت بذلك المبنى وبمقاربته الهندسية، المعبرة عن هوية المدينة العريقة.
وهذا النتاج المعماري الذي أثار الدهشة عند المتلقي وطريقة التعاطي معه، انطوى على تجاوز محدودية النظرة “التكتونية” له، إلى ما أبعد منها، منتقلا إلى مفاهيم القيم والخبرات، فضلا عن مدلولاتها الثقافية والحضارية التي يوحي بها ذلك المبنى.
وبتعبير آخر، الطراز المعماري للمطار جاء نتيجة اشتراطات عديدة، قد تكون متباينة في نوعيتها أو مختلفة في اختصاصاتها، كالمعارف البيئية والتاريخية والفلسفية والإنثروبولوجية والاقتصاد السياسي وعلوم الاجتماع، وحتى تأثيرات مضامين الحكي الشفاهي ومزج الأساطير بالواقع.
وهذه النظرة لمبنى مطار الملك خالد بالرياض، تسوغها طبيعة الفعل المعماري ذاته، الذي يجمع في أعمدته وقبابه وأقواسه وفضاءاته المنفتحة أكثر من مغزى وغرض؛ فهو من ناحية “فعلا” علميا على مستوى الهندسة المعمارية، وفي أخرى “فعلا” فنيا على المستوى الجمالي، بمعنى أنه قادر على جمع ما لا يمكن جمعه.
فمن يقينية العلم وماديته، إلى آفاق التصور الواسعة المتخمة بها المخيلة الإنسانية، تتجلى ماهية الفعل المعماري لهذا المبنى المميز، وبعيدا عن “أسرار” جمالياته الأخاذة، يمكن القول إن مطار الملك خالد الدولي في الرياض، عكس بلاغة معمارية وشعرية هندسية متفردة، ليمثل أيقونة من أيقونات الهندسة المعمارية العربية المعاصرة.

