سعود النداح
باحث دكتوراة في سياسات الرعاية الاجتماعية وإدارة المؤسسات، مستشار اجتماعي.
البعض قد يظن أن الحدود هي فعل صامت، قرار بسيط نتخذه في سياق التفاعلات اليومية. لكنها في حقيقتها تعبير عن فلسفة وجودية عميقة. عندما نرسم خطوطًا في علاقاتنا، فإننا نكشف للآخرين ولأنفسنا ما نؤمن به عن ذواتنا، ما نحتاجه، وما نستحقه.
الحدود ليست رفضًا للآخرين بقدر ما هي قبول لأنفسنا، اعتراف بصوت هادئ داخلنا يقول: “أنا موجود، وأستحق أن أحيا بسلام.”
لكن هل هو أمر سهل؟ بالطبع لا. وضع الحدود يتطلب شجاعة، شجاعة قد تتجلى في قول كلمة “لا” البسيطة التي غالبًا ما تكون الأكثر تعقيدًا.
ربما لأن “لا” ليست مجرد كلمة، بل فعل مقاومة، رفض للانصياع لرغبات الآخرين حين تتعارض مع قيمنا أو احتياجاتنا.
إنها دعوة لإعادة رسم خرائط القوة في العلاقات، ولتحديد أين تبدأ ذاتنا وأين تنتهي حدود الآخرين.
المعضلة تكمن في أننا كبشر نُولد بأرواح ترغب بالفهم والانتماء. لذا، نخشى أن تُفهم حدودنا على أنها عزل أو رفض. نخشى أن نخسر العلاقات بسبب خطوط رسمناها لحماية أنفسنا. ولكن، في الحقيقة، الحدود الحقيقية لا تدمّر العلاقات، بل تُغربلها.
إنها تصفية نقية تكشف من يستطيع أن يتعامل معك كما أنت، ومن يسعى فقط لاستنزاف ما لديك.
في مجتمع يقدّس التضحيات ويخلط بينها وبين الإيثار، يصبح وضع الحدود أشبه بثورة صامتة. ثورة تستدعي الوعي بأننا لسنا مضطرين لأن نكون كل شيء للجميع. بأننا لسنا ملزمين بتحمل أعباء الآخرين على حساب توازننا النفسي.
إدراكنا لهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء علاقة صحية مع أنفسنا، علاقة مبنية على الاحترام والتقدير وليس على الإنهاك والمساومة.
وعلى الرغم من هذا كله، فإن الحدود ليست مجرد أداة لحماية الذات من الآخرين، بل هي أيضًا وسيلة للنمو. عندما نضع حدودًا، فإننا ندعو الآخرين للتفاعل معنا على مستوى أعمق وأكثر صدقًا.
نحن نخلق مساحة لشفافية حقيقية، حيث تصبح العلاقات أقل ضبابية وأكثر وضوحًا. نكتشف من هم الأشخاص الذين يستطيعون تقبلنا كما نحن، والذين يحترمون قيمنا وخياراتنا.
الحدود ليست سجنًا، وليست جدارًا لا يمكن تجاوزه. هي أشبه بالحدائق المسوّرة التي تحمي جمالنا الداخلي من العواصف التي تهدد بإفساده.
رسم الحدود هو إعلان داخلي بأنك تستحق. تستحق أن تُسمع، أن تُفهم، أن تُحترم. هو اعتراف بأنك المسؤول الأول عن سعادتك، وأن الحفاظ على صحتك النفسية ليس أنانية، بل هو أفضل ما يمكنك أن تقدمه لنفسك وللعالم من حولك.

