د. عائشة بنت مفتي القرشي
السد في أبسط تعريف له هو حاجز يوقف أو يقيد تدفق المياه السطحية سواء أكانت أودية متقطعة التدفق أو أنهارًا دائمة الجريان بهدف إدارة المورد المائي واستغلاله لهدف معين كتوفير المياه الصالحة للشرب والزراعة أو الحماية من الفيضانات وغيرها. وأصبحت في العصر الحديث تُستخدم أيضًا في توليد الكهرباء والملاحة النهرية، وكذلك في السياحة، وتنمية الثروة السمكية من خلال استغلال بحيرات السدود التخزينية في مشاريع الاستزراع السمكي.
وتُعتبر السدود أحد أشهر وأقدم منشآت الحماية من الفيضانات وإدارة الموارد المائية، حيث يعود تاريخ أقدم سد معروف وهو سد جاوا في الأردن إلى 3000 قبل الميلاد. كما بنى المصريون السدود كسد الكفرة (2800 أو 2600 قبل الميلاد)، وفي الصين وُجد نظام دوجيانغيان (251 قبل الميلاد) الذي يشتمل على سد يوجه تدفق المياه، وفي تركيا سد إفلاتون بينار (في القرنين الخامس عشر والثالث عشر قبل الميلاد)، وفي الهند كان لديهم في دولافيرا (في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد) نظام معقد لإدارة المياه يضم 16 خزانًا وسدًا. وطبعًا جميعنا سمع أو قرأ عن سد مأرب الكبير في اليمن (بني بين عامي 1750 و1700 قبل الميلاد) وأجريت عليه تحسينات كثيرة على مر السنوات والعقود حتى انهياره بعدها.
هذا وتُصنف السدود من ناحية الاستخدام إلى سدود الحماية من الفيضانات، والسدود التخزينية، وسدود التغذية الجوفية التي تهدف إلى تعزيز مستوى المياه الجوفية إبان فترة الفيضانات للاستفادة القصوى منها. السدود أيضًا قد تُصنف حسب مادة البناء المستخدمة إلى السدود الخرسانية، والسدود الترابية (والتي مادتها الإنشائية الأساسية من الحصى أو الركام بالإضافة إلى الرمال)، وينقسم كل نوع من هذه الأنواع بدوره إلى أنواع أخرى لا يتسع المجال لذكرها.
إن السدود ورغم فوائدها واستخدامها منذ القدم كما ذكرنا أعلاه إلا أن لها بعض الآثار السلبية خاصة على النواحي الاجتماعية والبيئية التي يجب أن تُؤخذ في عين الاعتبار، كما أن الحذر عند استخدامها والاعتماد عليها كليًا في غاية الأهمية، حيث إن انهيارها قد يؤدي إلى كوارث مدمرة وقد تمحي مدنًا وقرى وأحياء بأكملها في المناطق المحيطة بالسد والأسفل منه، وقد تتضرر البنى التحتية وتتعطل الخدمات الأساسية، والمنشآت المختلفة، بالإضافة إلى تكلفة الإجلاء ومن ثم تقديم التعويضات للمتضررين.
وقد خلد التاريخ كارثة انهيار سد مأرب وما نتج عنه، وفي العصر الحديث شاهدنا انهيار “سد أبو منصور” و”سد البلاد” في مدينة درنة الليبية بسبب إعصار “دانيال” في العام 2023م وتداعياتهما، وقبلها انهار أحد السدود في ولاية ميناس جيرايس في البرازيل مطلع عام 2019م، مما دمر قرية بشكل شبه كامل، وغيرهم من السدود، كما أن هناك خوفًا وقلقًا من انهيار سدود أخرى في بلدان مختلفة.
تنهار السدود بسبب سوء التصميم، أو أخطاء في التنفيذ، وتتأثر بسوء جودة البيانات المستخدمة كذلك، كما يمكن أن تنهار السدود بسبب كوارث طبيعية كالزلازل أو الفيضانات العارمة ذات فترة تكرار أكبر بكثير من تلك التي اعتُمدت في التصميم، أو الانهيارات الأرضية، بالإضافة إلى الحروب والنزاعات التي قد تتسبب في تدمير متعمد للسد. وكلما تقدم عمر السد زادت احتمالية انهياره لأسباب مختلفة، لذا تحتاج السدود إلى إجراء عمليات صيانة دورية وتطبيق أي توصيات هندسية في حالة ملاحظة أي مشكلة دون تأخير، كما أن وجود خطة للأحوال الطارئة في غاية الأهمية، فلا يوجد سد قادر على الصمود أمام الفيضانات دومًا حسب تصريح الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ الأمريكية، حتى لو صمد أمام بعضها باتباع التوصيات المذكورة أعلاه، لهذا التخطيط السليم للمدن وعدم التعرض للمجاري المائية والتقليل من كفاءتها الاستيعابية، مع توفير نظام تصريف متكامل واعتماد طرق عديدة لإدارة الموارد المائية قد يقلل من كوارث الاعتماد الكلي على السدود وحدها وقريبًا من المدن المكتظة بوجه الخصوص.

