بقلم: فيصل الحمد
في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعصف بسوريا، برزت تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام السياسي الذي قد يحكم البلاد في المستقبل.
وبينما تناولنا في مقالات سابقة العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة على مسار الأحداث والسيناريوهات المستقبلية، فإننا نخصص هذا المقال لتحليل السيناريوهات المحتملة للحكم السياسي في سوريا، بما تمثله من تحدٍ للشعب والحكومة السورية المؤقتة.
تتنوع هذه السيناريوهات بين خيارات مستوحاة من تجارب دولية، قد تُطبق وفقًا للخصوصيات السورية. ويظل نجاح أي منها رهينًا بحجم المشاركة الشعبية وقدرة النظام السياسي على استيعاب التنوع الإثني والطائفي في المجتمع السوري. نستعرض فيما يلي أبرز هذه السيناريوهات:
السيناريو الأول: الفيدرالية
تلوح الفدرالية كأحد النماذج المحتملة للحكم في سوريا، خاصة مع سيطرة قوات سوريا الديموقراطية المدعومة أمريكيًا على مناطق شرق الفرات، واستمرار قتالها مع الفصائل المسلحة التابعة لعمليات “فجر الحرية”.
في هذا السيناريو، قد يُستنسخ نموذج الحكم الفدرالي العراقي، بحيث يتمتع الأكراد بحكم ذاتي يتيح لهم إدارة شؤونهم الداخلية، مع الاحتفاظ بالموارد النفطية بقواتهم المسلحة حتى يتم دمجها مع القوات المسلحة السورية المستقبلية. وفي المقابل، تحافظ الحكومة المركزية في دمشق على الدفاع والخارجية.
ومع أن هذا النموذج قد يضمن استقرارًا نسبيًا في بعض المناطق، إلا أنه قد يواجه تحديات كبرى تتعلق برفض بعض الأطراف السورية الأخرى للفدرالية، وإصرارها على نموذج الدولة المركزية الكونفدرالية.
السيناريو الثاني: الكونفدرالية
يمثل هذا السيناريو خيارًا نحو تقسيم سوريا إلى أقاليم على أسس إثنية وطائفية، تحت مظلة كونفدرالية خصوصاً في ظل الضبابية الراهنة، حيث يسعى الأكراد للاحتفاظ بمكتسباتهم بدعم أمريكي، بينما يحاول العلويون تعزيز وجودهم في الساحل السوري، إلى جانب تحركات إسرائيلية لاستمالة الدروز في الجنوب.
يعتمد نجاح هذا السيناريو على التوافقات الإقليمية والدولية، لكنه قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية، مما يهدد الوحدة الجغرافية والاجتماعية لسوريا ويضعف دور الحكومة المركزية في دمشق.
السيناريو الثالث: الدولة المدنية
يُعد بناء دولة مدنية ديمقراطية السيناريو الأكثر طموحًا، حيث تسعى الحكومة المؤقتة وقيادة العمليات العسكرية إلى إعادة بناء سوريا على أسس المواطنة والهوية الوطنية الجامعة. يتضمن هذا التصور تشكيل قوات مسلحة وطنية تضم جميع مكونات الشعب السوري، وإنشاء مؤسسات حكومية فعالة، وتطبيق نظام انتخابي شفاف يضمن تداول السلطة.
هذا النموذج يتجاوز الصراعات الطائفية والعرقية، ويركز على بناء مجتمع مدني يعزز قيم العدالة والتنمية والتعايش السلمي. كما يؤكد على الفصل بين السلطات، واعتماد قوانين وضعية كمرجعية تشريعية. ومع تغير مواقف بعض الدول تجاه قيادة العمليات العسكرية والحكومة الانتقالية، يبدو هذا السيناريو قابلاً للتحقق، شريطة تحقيق التوافق الداخلي والدعم الدولي.
السيناريو الرابع: حكم الهيئة
يتعلق هذا السيناريو بفرض هيئة تحرير الشام سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وتحويل البلاد إلى دولة إسلامية تستند إلى رؤى دينية متشددة مشابه لنظام الحكم في كابل. ويرتكز هذا التصور على جذور الهيئة باعتبارها امتدادًا لجبهة النصرة، مع إقصاء الحركات السياسية والعسكرية الأخرى.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو ضعيف الاحتمال، نظرًا للاتفاقات الدولية الراهنة ودعم الولايات المتحدة للأكراد، إلا أنه يبقى خيارًا قائمًا قد تُغذيه عوامل الفوضى والانقسامات الداخلية.
ختاماً، تمثل هذه السيناريوهات مسارات متباينة قد تتخذها سوريا في السنوات المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار أن تطبيق أي منها يتطلب توافر شروط داخلية وخارجية محددة، أهمها تحقيق توافق سياسي واسع، وضمان استقرار أمني، ودعم دولي فاعل.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل سوريا السياسي مفتوحًا على خيارات متعددة، ويحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تُراعي خصوصيات المجتمع السوري وتسعى إلى بناء دولة عادلة ومستقرة.

