خاص – الوئام
لم يكن الأسبوع الماضي عاديًا في أروقة السياسة الأمريكية؛ فقد أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترمب شرارة عاصفة دبلوماسية بقرارها وقف معظم برامج المساعدات الخارجية الأمريكية، وإغلاق جميع مكاتب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) البالغ عددها 80 حول العالم.
هذا القرار، الذي جاء تنفيذًا لأمر ضمن سياسة “أمريكا أولًا”، أدى إلى تجميد مفاجئ للمساعدات الحيوية، مما تسبب في إفلاس منظمات محلية، وتعطيل مشاريع إنسانية، وتهديد حياة الملايين في مناطق الأزمات.
بينما تراه الإدارة الأمريكية إعادة هيكلة ضرورية للمساعدات، يراه المنتقدون انسحابًا كارثيًا من المشهد الدولي يحمل تداعيات إنسانية وسياسية واسعة.
تاريخ طويل من التأثير العالمي
لطالما كانت المساعدات الخارجية أداة استراتيجية في يد واشنطن لتعزيز نفوذها، سواء عبر مكافحة الفقر، دعم الصحة العالمية، أو مواجهة النفوذ الصيني والروسي.
وعلى مدار عقود، لعبت USAID دورًا رئيسيًا في الاستجابة للكوارث الطبيعية، النزاعات المسلحة، وانتشار الأوبئة. وفق ما نشرت مجلة فورين آفيرز الأمريكية.
لكن القرار الأخير بوقف هذه المساعدات وضع برامج إنسانية حيوية في حالة شلل تام. فعلى سبيل المثال، أصيب برنامج الاستجابة للكوارث بالجمود، بينما تعثرت جهود مكافحة الإيدز والملاريا، مما قد يؤدي إلى خسائر بشرية جسيمة.
القرار الصادم
من الناحية النظرية، من الطبيعي أن تسعى أي إدارة إلى مراجعة وتقييم برامج المساعدات لضمان فاعليتها. فخلال فترة إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، تم إلغاء العديد من المشاريع غير المجدية.

لكن الفرق هنا هو أن إدارة ترمب أوقفت كل شيء دفعة واحدة، قبل إجراء أي مراجعة حقيقية، مما أدى إلى فوضى غير مسبوقة.
علاوة على ذلك، قررت الإدارة تقليص قوة العمل في USAID من 10,000 موظف إلى أقل من 300 فقط، وإلغاء 800 عقد واتفاقية، مما يعني إنهاء المساعدات كما نعرفها.
ميزان السياسة والأمن القومي
تاريخيًا، كانت الولايات المتحدة تستخدم المساعدات كأداة نفوذ سياسي وأمني؛ ففي عام 2003، على سبيل المثال، طلب رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله من الرئيس بوش إنشاء بعثة USAID في بلاده مقابل استضافة قاعدة عسكرية أمريكية هناك.
أما اليوم، فإن سياسة ترمب تجاه المساعدات لا تتماشى مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية؛ فبدلًا من تعزيز النفوذ الأمريكي في مواجهة الصين وروسيا، تفسح هذه السياسة المجال لمنافسين جيوسياسيين لتوسيع نفوذهم في الدول التي كانت تعتمد على المساعدات الأمريكية.
في عصر التنافس الجيوسياسي الحاد، لا يمكن للولايات المتحدة التخلي عن أداة قوية مثل المساعدات.
فالصين وروسيا تستخدمان التمويل والاستثمارات كوسيلة لفرض نفوذهما، سواء في إفريقيا، آسيا، أو أمريكا اللاتينية.
لهذا، تحتاج واشنطن إلى إعادة تصميم استراتيجية المساعدات بحيث تستهدف الدول التي تواجه تهديدات من الصين، روسيا، وكوريا الشمالية؛ فالوجود الأمريكي في دول مثل أوكرانيا، مولدوفا، دول البلقان، ضروري لمنع تغلغل النفوذ الروسي.
فرصة لموسكو وبكين
التراجع الأمريكي عن المساعدات لا يعني فقط التخلي عن الحلفاء، بل يمنح الصين وروسيا فرصة غير مسبوقة لملء الفراغ.
فبينما تقطع واشنطن تمويلها للدول النامية، تضخ بكين مليارات الدولارات عبر مبادرة الحزام والطريق، بينما تقدم موسكو المساعدات العسكرية والاقتصادية لحلفائها.
وفي ظل هذه التحولات، يصبح من الضروري إعادة النظر في قرار وقف المساعدات، إذ أن الخسارة لن تكون إنسانية فقط، بل استراتيجية أيضًا.
هل تُحدث واشنطن استراتيجيتها؟
لإصلاح سياسة المساعدات، يجب على إدارة ترمب تبني نهج أكثر ذكاءً، بحيث يتم إعادة توجيه المساعدات نحو الدول ذات الأولوية الجيوسياسية، بدلًا من إلغائها بشكل عشوائي.
ومن الضروري أن تراعي السياسة الجديدة التحولات الجيوسياسية الكبرى، بحيث تكون المساعدات أداة لتعزيز النفوذ الأمريكي، وليس مجرد عبء مالي يمكن التخلص منه بسهولة.
كما يبقى مستقبل النفوذ الأمريكي مرتبطًا بقدرتها على توظيف المساعدات كأداة دبلوماسية فعالة، حيث لم تكن مجرد دعم إنساني، بل أحد أقوى الوسائل التي عززت بها واشنطن مكانتها العالمية.
ومع تزايد المنافسة الدولية، فإن وقف التمويل دون استراتيجية واضحة قد يمنح خصومها، مثل الصين وروسيا، فرصة لإعادة تشكيل النظام العالمي وفقًا لمصالحهم، مما قد يشكل أحد أكبر الأخطاء الجيوسياسية في العصر الحديث.

