د. مها الجبر
دكتوراه في فلسفة الاتصال والإعلام الرقمي
بظنّي أن أعظم درسٍ يُمكن أن يتعلمه المرء من الكبار هو “القوّة”. أن تبقى راسخًا في مواقفك، وثابتًا على مبادئك، ألّا تُزلزلك الأحداث، وتسرق أمانك الظروف فهذا ليس بالأمر الهيّن لاسيما حينما تكون في عالم لا يرحم، ويتناهب بعضه بعضًا. وأعني بالعالم كُل ما يُحيط بك؛ انطلاقًا من مُحيطك الصغير الذي يبدأ بالأسرة مرورًا بالشارع والحيّ ثم بيئة العمل والمجتمع ….إلخ.
والقوة التي أعنيها هي قوّة المواقف وليست قوة الجسد، رُغم أنه طوال سنوات تربيتنا تلقينا توجيهات كثيرة تخصّ سلامة الجسد وبنيته، وفي البرامج التلفزيونية الموجهة كان التركيز على القوّة البدنية وأن “العقل السليم في الجسم السليم”، وينطلق جميع ذلك من تأويل الحديث النبوي أن “المؤمن القويّ خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلّ خير”.
فبعد أن يكبر الإنسان يُدرك أن قوة الجسد ليست شيئًا أمام قوة الموقف والإرادة والرغبة، فهذه القوّة هي المُحرك الرئيس للإنسان في حياته، قوّة ليست ظاهرة، وقياسها صعب، فمعاييرها أصعب، إذ قد تختلف المعايير بحسب الظروف الزمنية والمكانية والاجتماعية كذلك الأيدلوجيا، لكن تحكمها الإنسانية والأخلاق، بعيدًا عن كافة الأطر التي قد ترسم حياة وفكر ومعنى الأشياء بالنسبة للمرء.
إذ يجدُ المرء نفسه حائرًا في معنى أن يكون قويًا؛ فهل الثبات على المبادئ قوّة؟ ومن أين يجلب المرء مبادئه ليبدأ في ترتيبها؟!. أم أن القوّة في رسوخ الأفكار والاستماتة في الدفاع عنها؟ والذي يعكس حال كثير من المتطرفين، معنى القوّة يجعلك بين مفترق طُرق، فكر وأيدولوجيا صبغت جيناتك وأصبحت تُحركك ووعي يغسل كُل ما في طريقه من آثار اجتماعية وفكرية وسياسية وبيئية عالقة بفعل الزمن. لذا أظن أن على المرء أن يختار قوة منشؤوها الوعي.
أخيرًا وفي معرض الحديث عن هذا الأمر أفخرُ بما ذكره ولي العهد في أحد اللقاءات أن “السعودي لا يخاف”، والذي أعطى في جملته تلك درسًا عظيمًا حول قيمة القوّة، ولمحة واثقة خاطفة على تاريخ من المجد. واليوم مع تكالب الأحداث، وتزلزل ميزان القوى السياسية تتجدد قيمة القوة، وألًا نصر إلّا مع ثقة بقوّة، وصدق مع النفس قبل أن تكون مع الآخرين.

