خاص – الوئام
منذ بداية ولايته الثانية، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قرارات حاسمة لمكافحة تهريب المخدرات، حيث وقع أوامر تنفيذية بإعلان حالة الطوارئ على الحدود الجنوبية والشمالية للولايات المتحدة.
هذه التحركات لم تكن مفاجئة، إذ شكلت المخدرات، وعلى رأسها الفنتانيل، محور خطابه الانتخابي لعام 2024.
لكن الإجراءات المتخذة، بما في ذلك فرض تعريفات جمركية مشددة على الواردات من كندا والمكسيك والصين، أثارت جدلاً واسعاً حول مدى فعاليتها وتأثيرها على العلاقات الدبلوماسية والتجارية.
تصعيد اقتصادي لمكافحة تهريب المخدرات
تشير مجلة “فورين آفيرز” الأمريكية إلى أنه في أواخر يناير، فرضت إدارة ترمب تعريفات جمركية بنسبة 25% على معظم الواردات القادمة من كندا والمكسيك، و10% على المنتجات الصينية، في خطوة تهدف إلى معاقبة الدول المتورطة في تصنيع وتهريب المخدرات.
ورغم نجاح كندا والمكسيك في تأجيل هذه التعريفات لمدة شهر، دخلت الرسوم الجمركية على الواردات الصينية حيز التنفيذ في فبراير.
لم يكن هذا التصعيد الاقتصادي مفاجئاً، إذ تعهد ترمب خلال حملته الانتخابية باتخاذ تدابير صارمة ضد تجارة المخدرات، بما في ذلك تنفيذ أحكام الإعدام بحق تجار المخدرات. كما أعلن عن تعيين توم هومان “قيصراً للحدود”، الذي هدد بإرسال قوات عمليات خاصة إلى المكسيك لاستهداف الكارتلات، في تصعيد غير مسبوق للأزمة.
تداعيات الإجراءات على المكسيك
يعد تهريب المخدرات، وخاصة الفنتانيل، تهديداً كبيراً للأمن القومي الأمريكي، إذ حصدت أزمة الإدمان أرواح أكثر من 100,000 شخص سنوياً خلال أسوأ فتراتها.
ورغم وجاهة التركيز على هذه الأزمة، فإن تنفيذ التعريفات الجمركية لفترة طويلة، إلى جانب تصنيف الكارتلات كمنظمات إرهابية، قد يضر بالعلاقات الأميركية-المكسيكية بشكل كبير.
إعلان ترمب عن بدء عملية لتصنيف بعض الكارتلات المكسيكية كمنظمات إرهابية أجنبية أثار مخاوف داخل الأوساط الدبلوماسية.

فقد سبق أن درست إدارات أوباما وبايدن وحتى إدارة ترمب الأولى هذا الخيار، لكنها رفضته خشية تعقيد التعاون الأمني بين البلدين. وإذا ما تم تنفيذ هذه السياسة، فقد تؤدي إلى تداعيات سلبية على التنسيق الأمني والاقتصادي بين واشنطن ومكسيكو سيتي.
كارتلات المخدرات وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي
تمثل كارتلات “سينالوا” و”خاليسكو نويفا خينيراثيون” أكبر جهات توريد المخدرات إلى الولايات المتحدة، وهي لا تقتصر على تهريب المواد المخدرة فحسب، بل توسعت أنشطتها لتشمل جرائم أخرى مثل الاتجار بالبشر والتعدين غير القانوني وفرض الإتاوات على الشركات الشرعية.
هذه الظاهرة تهدد الاقتصاد المكسيكي وتلقي بظلالها على الاقتصاد الأميركي، نظراً للعلاقات التجارية الوثيقة بين البلدين.
في عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والمكسيك نحو 800 مليار دولار، مما يجعل المكسيك الشريك التجاري الأكبر لواشنطن.
ومع ذلك، فإن تزايد سيطرة الكارتلات على قطاعات واسعة من الاقتصاد المكسيكي، وارتفاع معدلات العنف، يزيدان من المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد الأميركية، خاصة في ظل سعي واشنطن لتقليل اعتمادها على الصين.
إخفاق السياسات السابقة
عانت المكسيك من تصاعد نفوذ الكارتلات نتيجة لسياسات الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي تبنى نهج “العناق بدل الرصاص”، ما أدى إلى تقليص التعاون الأمني مع الولايات المتحدة.
بدلاً من استهداف الكارتلات بشكل شامل، اكتفى الأمن المكسيكي بتنفيذ عمليات محدودة لاعتقال بعض القادة أو تفكيك معامل تصنيع المخدرات لتهدئة الضغوط الأميركية.
في المقابل، حاولت إدارة بايدن دفع المكسيك لتعزيز جهودها ضد الجريمة المنظمة، لكن حاجتها إلى التعاون المكسيكي في الحد من تدفقات الهجرة جعلتها مترددة في ممارسة ضغوط كبيرة.
كما أن التقارب الاقتصادي بين البلدين، في ظل الجهود الأميركية للحد من الاعتماد على الصين، شكل عاملاً آخر حال دون اتخاذ واشنطن موقفاً أكثر صرامة.
هل تنجح استراتيجية ترمب؟
في ظل تصاعد النفوذ الإجرامي للكارتلات، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة صعبة. فمن جهة، تحتاج إلى تعاون مكسيكي فعال لمكافحة تجارة المخدرات، ومن جهة أخرى، فإن الإجراءات الأحادية، مثل التعريفات الجمركية والتصنيفات الإرهابية، قد تؤدي إلى توتر العلاقات بين البلدين.
يبدو أن ترمب مصمم على انتهاج سياسات صارمة، لكن النجاح في هذه المعركة يتطلب استراتيجية متوازنة تجمع بين الضغط الاقتصادي، والتعاون الأمني، والإصلاحات الداخلية، لضمان تحقيق نتائج مستدامة دون الإضرار بالعلاقات الإقليمية والمصالح الاقتصادية.

