د. طارق عطيه السلمي
الباحث المتخصص في التاريخ والتراث السعودي
حينما كانت القبائل –القاطنة في صحراء نجد- غارقةً في صراعات التشتت والغزو؛ حفاظًا على بقائها، ظهر -من وسط بحور هذه الصراعات- رجلٌ يتمتع برؤيةٍ مميزةٍ أبعد من حدود زمانه ومكانه، هذا الرجل هو الإمام محمد بن سعود، الذي عَبَّرَ عن رؤيته المميزة هذه بكل شجاعةٍ في عام 1727م، حين وقف في وسط الدرعية-معلنًا عن بداية حقبةٍ جديدة، والتي تعد أول انطلاقةٍ لتأسيس الدولة السعودية الأولى، وهذا لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل كان بدايةً لقصةٍ طويلةٍ مليئة بالعمل والتضحيات التي بُذلت فيما بعد من أجل بناء مجتمعٍ متماسكٍ يقوم على أساس الوحدة والقيم الراسخة.
وقد أدرك الإمام محمد بن سعود أن التشتت والصراع لا يمكن أن يؤدي أبدًا إلى النجاح، لذلك كان عليه أن يبدأ أولًا بالعمل على توحيد القبائل المتفرقة تحت رايةٍ واحدةٍ من أجل تحقيق النجاح، حيث كان يؤمن بأن الأساس الذي يقوم عليه بناء مجتمعٍ قوي ومستدام هو الأمن والاستقرار. بدأ الإمام العمل على تحقيق حلمه في الدرعية، ولكنه لم يكتف بذلك فقط، حيث كان يطمح في أن يمتد حلمه ليشمل أجزاءً من شبه الجزيرة العربية، ولذلك عملت الدولة الناشئة على نشر الأمن وإقامة نظامٍ إداري مرتكز على القيم الإسلامية.
لم يقف حد تأسيس الدولة عند نقطة توحيد القبائل فقط، بل امتد ليكون بداية تحولٍ مجتمعيٍّ عميق، حيث شعر سكان الجزيرة العربية –لأول مرة- بأنهم ينتمون إلى كيانٍ واحد يحقق لهم العدالة بين بعضهم البعض ويحمي حقوقهم، ولم يقتصر هذا التحول على الأمن والعدالة فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ قيم الانتماء والولاء لدى أهل القبائل الموحدة، حتى بُنيت وتأسست في نفوسهم الهوية السعودية على أسسٍ دينيةٍ وسطيةٍ وثقافيةٍ متينة؛ مما عزز لديهم الشعور بالانتماء لوطنٍ واحد يمتد عبر التاريخ، وقد ساعد على ترسيخ هذا الشعور في نفوسهم أيضًا الاستقرار الاقتصادي الذي وفرته الدولة السعودية الأولى متمثلًا في صورة تشجيع الأنشطة التجارية والزراعية، في جوٍّ آمنٍ خالٍ من الحروب أو الغزوات؛ مما ساعد الناس على تحسين حياتهم، وبالتالي ازدهار الأوضاع الاقتصادية.
ولم يخلو مشروع تأسيس الدولة السعودية من التعليم بل كان جزءًا أساسيًّا منه، فقد تم فتح المدارس كصورةٍ لاعتناء الدولة واهتمامها بنشر العلم والمعرفة، من أجل بناء مجتمعٍ متعلمٍ واعٍ بقيمه ودوره.
وبعد مرور القرن الثالث من تاريخ تأسيس الدولة السعودية، تم إصدار الأمر الملكي للاحتفاء بيوم التأسيس متماشيًا مع رؤية المملكة 2030م. ويقود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية المملكة 2030م؛ استكمالًا لتلك القيم التي تم غرسها في عهد التأسيس، والتي تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية، وإبراز التراث الثقافي والتاريخي للمملكة. ويعد يوم التأسيس مناسبة لترسيخ هذه الهوية، وذلك من خلال استذكار القيم والأسس التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، والاستمرار على تحقيق أهدافها في المستقبل، التي يتمثل أولها في الاستثمار في المواطن السعودي –الذي يعد قلب التنمية- والعمل على تمكينه من خلال التعليم والتأهيل، من أجل لضمان استدامة هذا الإرث العظيم.
كما تؤكد رؤية 2030م على أهمية الوحدة الوطنية ودورها العظيم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فكما كان التأسيس نقطة تحول من حيث توحيد القبائل، فإن رؤية 2030م تعد هي الأخرى نقطة تحول أيضًا تنطلق نحو توحيد الجهود لبناء مستقبلٍ مشرق.
ونتيجةً لهذا، يعيش السعوديون اليوم متمتعين بحصاد إنجازات التأسيس ورؤية 2030م، التي تعدهم بمستقبلٍ مشرقٍ يتحقق عن طريق التعليم والابتكار والانفتاح على العالم، ولذلك نجدهم يستلهمون قيم أجدادهم ليتمكنوا من مواصلة البناء على أسسٍ صلبة.
يتحمل جميع المواطنين السعوديين مسئولية الحفاظ على هذا الإرث العظيم، وتُتَرجم هذه المسئولية في صورة دعم مبادرات رؤية 2030م، أو المشاركة في الفعالية الوطنية، أو العمل على تعزيز الفخر بالهوية الوطنية في قلوب الأجيال القادمة.
لا يمكن اعتبار يوم التأسيس مجرد ذكرى، بل هو القصة التي تخبرنا بالبداية التي صنعت الحاضر، والإرث الذي يُشكِّل أساس المستقبل، ومع رؤية 2030م تأخذ هذه القصة مسارًا جديدًا، حيث يتحول الماضي إلى مصدرٍ ملهمٍ يساعد في بناء غدٍ أفضل.
سيظل هذا اليوم –يوم التأسيس- يذكرنا دائمًا بقدرة الوحدة والقيم الراسخة على بناء أمةٍ عظيمةٍ، وبأن المحور الذي يربط بين ماضي المملكة ومستقبلها الواعد هو –دائمًا- الإنسان السعودي.
لذا، فمن حقنا أن نفتخر دائمًا بهذا التاريخ العظيم، كما يجب علينا أن نحافظ على هذا الإرث الكبير، وننقله إلى الأجيال القادمة بكل فخرٍ وعز.

